بأقلامهمسياحة وسفر

“سعيد جمال الدين ” يكتب : السياحة المصرية بين الحوافز الحكومية ومتطلبات التطوير الشامل !!

نجاح الموسم السياحي لا يُقاس بعدد السائحين فقط.. بل بجودة تجربة السائح وذكرياته السعيدة عند عودته إلى بلاده

في يوم 2 يونيو، 2026 | بتوقيت 4:11 مساءً

لا شك أن الحزمة التحفيزية الاستثنائية التي أعلنتها الدولة المصرية مؤخرًا لدعم قطاعي الطيران المدني والسياحة تمثل خطوة مهمة ومطلوبة في توقيت بالغ الحساسية، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية والدولية المتزايدة على جذب الحركة السياحية، وما تشهده المنطقة من متغيرات جيوسياسية واقتصادية تؤثر بشكل مباشر على حركة السفر والسياحة العالمية.

وتعكس هذه الحزمة، التي جاءت بتنسيق واضح بين وزارتي الطيران المدني والسياحة والآثار، إدراك الدولة لأهمية قطاع السياحة باعتباره أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، وأحد القطاعات القادرة على تحقيق عوائد سريعة ومستدامة للاقتصاد الوطني، فضلًا عن دوره في توفير مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

غير أن الحقيقة التي يجب التوقف أمامها هي أن الحوافز وحدها، رغم أهميتها، لا تكفي لتحقيق الطفرة المنشودة في صناعة السياحة المصرية، ما لم تكن جزءًا من رؤية متكاملة لتطوير المنظومة السياحية بكافة عناصرها ومكوناتها.

الطيران بوابة السائح الأولى إلى مصر

القرار الخاص بتقديم حوافز تشغيلية لشركات الطيران المتجهة إلى مطاري شرم الشيخ والغردقة يأتي في الاتجاه الصحيح، لأن النقل الجوي يمثل البوابة الأولى لدخول السائح إلى مصر.

فكل رحلة إضافية تعني مزيدًا من السائحين، ومزيدًا من الليالي السياحية، ومزيدًا من الإيرادات الدولارية التي تحتاج إليها الدولة المصرية في هذه المرحلة المهمة من مسيرة التنمية الاقتصادية.

كما أن زيادة السعات المقعدية للرحلات الدولية تسهم في تعزيز تنافسية المقصد المصري أمام وجهات سياحية أخرى في المنطقة تقدم حوافز مماثلة، بل وربما أكبر في بعض الأحيان.

لكن نجاح هذه السياسة يتطلب استمرار تطوير المطارات المصرية، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة بها، وتسريع إجراءات الوصول والمغادرة، وتحسين تجربة المسافر منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى الأراضي المصرية.

السياحة منظومة متكاملة وليست مجرد طائرة وفندق

التجارب السياحية الناجحة في العالم تؤكد أن السائح لا يقيم الوجهة السياحية بناءً على الفندق الذي أقام فيه فقط، أو الرحلة الجوية التي استقلها، وإنما يقيم التجربة بأكملها.

منذ لحظة وصوله إلى المطار، مرورًا بوسائل النقل السياحي، ومستوى النظافة، وجودة الخدمات، وأداء المرشدين السياحيين، والتعاملات التجارية، وحتى طريقة مغادرته للبلاد.

ومن هنا تبرز أهمية مواصلة تطوير أسطول النقل السياحي المصري، ورفع كفاءة المركبات السياحية، والتأكد من التزامها بأعلى معايير السلامة والجودة والراحة، بما يتناسب مع مكانة مصر كواحدة من أهم المقاصد السياحية في العالم.

كما أن الارتقاء بالخدمات السياحية المقدمة في مختلف المقاصد المصرية يجب أن يظل أولوية مستمرة، لأن المنافسة العالمية لم تعد تقتصر على الأسعار فقط، وإنما أصبحت تعتمد بصورة أساسية على جودة الخدمة ومستوى رضا العملاء.

مواجهة الممارسات السلبية ضرورة وطنية

ورغم ما تحقق من تطورات ملموسة خلال السنوات الأخيرة، فإن بعض الممارسات الفردية والسلوكيات السلبية ما زالت تسيء إلى صورة السياحة المصرية في الخارج، وتؤثر على الانطباع العام لدى بعض الزائرين.

وهنا يصبح من الضروري الضرب بيد من حديد على كل من يسيء إلى سمعة المقصد السياحي المصري، سواء من خلال استغلال السائحين أو تقديم خدمات دون المستوى أو ممارسة أي سلوكيات تضر بجهود الدولة التسويقية.

فالدولة تنفق مليارات الجنيهات على تطوير البنية التحتية والمطارات والطرق والمواقع الأثرية والترويج الخارجي، ومن غير المقبول أن تهدر هذه الجهود بسبب تصرفات فردية محدودة لكنها مؤثرة.

كما أن تطبيق معايير الجودة والرقابة الصارمة على جميع عناصر المنظومة السياحية أصبح ضرورة لا تقبل التأجيل إذا كنا نستهدف الوصول إلى مستويات عالمية من التنافسية.

السائح الراضي أفضل حملة دعائية لمصر

الحقيقة التي تؤكدها جميع الدراسات التسويقية الحديثة أن أفضل وسيلة للترويج السياحي ليست الإعلانات ولا الحملات الدعائية، وإنما السائح نفسه.

فالسائح الذي يغادر مصر وهو يحمل تجربة إيجابية ومميزة يتحول تلقائيًا إلى سفير للمقصد المصري في بلاده، وينقل تجربته إلى أسرته وأصدقائه ومتابعيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، فإن أي تجربة سلبية قد تنتشر بسرعة كبيرة وتؤثر على قرارات آلاف السائحين المحتملين.

لذلك فإن تعظيم نجاح التجربة السياحية للوافدين يجب أن يصبح هدفًا استراتيجيًا لجميع الجهات المعنية بالسياحة، من الوزارات والهيئات الحكومية إلى القطاع الخاص والعاملين بالمجال.

فرصة ذهبية قبل ذروة الموسم الصيفي

تأتي الحزمة التحفيزية الجديدة في وقت تشير فيه توقعات العديد من الخبراء والعاملين بالقطاع إلى إمكانية تحقيق معدلات نمو جيدة خلال الموسم الصيفي الحالي، مدفوعة باستمرار الطلب على المقصد المصري، وتنوع المنتج السياحي الذي تمتلكه مصر، وما شهدته السنوات الأخيرة من تطوير واسع للبنية التحتية السياحية.

ومن ثم فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة ذهبية ينبغي استثمارها بأقصى درجة ممكنة، ليس فقط لزيادة أعداد السائحين، وإنما لزيادة متوسط الإنفاق السياحي، وإطالة مدة الإقامة، وتحقيق أعلى عائد اقتصادي ممكن من كل سائح يزور مصر.

كلمة لابد منها 

إن ما تقوم به الدولة المصرية اليوم من دعم لقطاعي الطيران والسياحة يستحق التقدير، لكنه يجب أن يكون بداية لمسار أوسع وأشمل يستهدف تطوير صناعة السياحة بكامل مكوناتها.

فمصر تمتلك من المقومات الطبيعية والأثرية والثقافية ما يؤهلها لتكون بين أكبر المقاصد السياحية في العالم، ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه المقومات إلى تجربة سياحية متكاملة ومتميزة تجعل كل زائر يغادر مصر وهو يحمل ذكرى جميلة ورغبة مؤكدة في العودة مرة أخرى.

ففي عالم السياحة الحديث، لا يكفي أن يأتي السائح إلى مصر مرة واحدة، وإنما النجاح الحقيقي أن يعود مرة ثانية، وأن يدعو غيره لزيارتها أيضًا.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ..وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.. وعلى الله العلى القدير قصد السبيل 

كاتب المقال

سعيد جمال الدين سرحان

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير لبوابة المحروسة الإخبارية ” المحروسة نيوز ”

عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين

مؤسس شعبة الصحافة السياحين بنقابة الصحفيين

عضو جمعية الكتاب السياحيين المصريين

عضو جمعية كتاب البيئة والتنمية

الأمين العام للمنتدى العالمى لخبراء السياحة والسفر 

الأمين العام لصالون الرواد الثقافى بنقابة الصحفيين