ليس من المنطقي أن نغلق ملف موسم الحج بمجرد الإعلان عن حصول البعثة المصرية على جائزة “لبيّتم الفضية” للتميز في خدمة ضيوف الرحمن، بينما لا تزال شكاوى الحجاج تتردد في أروقة البرلمان ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
الجائزة محل تقدير واحترام، ولا أحد ينكر الجهد الذي بذلته مؤسسات الدولة المصرية في خدمة الحجاج، لكن الجائزة في حد ذاتها لا يمكن أن تكون شهادة براءة مسبقة من أي أخطاء أو تجاوزات أو قصور قد يكون وقع خلال الموسم.
فالوقائع التي كشفها طلب الإحاطة المقدم من النائب عاطف عجلان تطرح أسئلة خطيرة لا يجوز القفز فوقها أو تجاهلها، خاصة عندما يتعلق الأمر بشكاوى عن سوء الخدمات، وضعف جودة الطعام، ونقص العمالة، وتكدس الأبراج، وعدم كفاية دورات المياه، والتفاوت في توزيع المساحات داخل المخيمات.
إذا كانت هذه الوقائع غير صحيحة، فمن حق الرأي العام أن يعرف ذلك بالأدلة. وإذا كانت صحيحة أو ثبتت صحة جزء منها، فمن واجب الدولة أن تفتح تحقيقًا شفافًا ومحاسبة كل من تسبب في الإساءة إلى الحاج المصري.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود أخطاء، فكل المنظومات الإدارية في العالم قد تشهد أخطاء أو أزمات. المشكلة الحقيقية تكمن في تجاهل الأخطاء أو محاولة دفنها تحت لافتة النجاح الإعلامي والاحتفالات الرسمية.
إن آلاف الحجاج الذين دفعوا مدخراتهم من أجل أداء الفريضة يستحقون إجابات واضحة وصريحة، وليس بيانات عامة أو عبارات إنشائية عن نجاح الموسم.

ومن هنا فإن أول ما يجب المطالبة به هو تشكيل لجنة مستقلة ومحايدة لتقييم موسم الحج بالكامل، بعيدًا عن أي مجاملات أو مصالح أو حسابات مؤسسية، على أن تعلن نتائج أعمالها للرأي العام بكل شفافية.
كما أن ملف التعاقدات التي أبرمت لتنظيم الحج هذا العام يستوجب مراجعة دقيقة وشاملة، خاصة في ظل ما تردد من أحاديث وشائعات واسعة النطاق عن وجود تفاوت في مستوى الخدمات والمواقع المخصصة لبعض الحملات أو المجموعات.
لسنا هنا بصدد إصدار أحكام أو توجيه اتهامات لأحد، لكننا أمام شائعات أصبحت متداولة بصورة تستوجب التحقيق لا التجاهل. فالصمت لا يقتل الشائعات، وإنما الشفافية وحدها هي التي تفعل ذلك.
ولهذا فإننا نطالب بنشر جميع تفاصيل التعاقدات التي أبرمت مع الجهات المنظمة، وإعلان معايير توزيع المخيمات والأبراج والخدمات على الشركات والحجاج، حتى تتضح الصورة كاملة أمام الجميع.
كما نطالب بمراجعة دقيقة للطاقة الاستيعابية الحقيقية للمخيمات والأبراج التي تم تسكين الحجاج بها، ومطابقتها مع الأعداد الفعلية التي أقامت داخلها، لأن الحديث عن التكدس لا يتعلق فقط بمستوى الخدمة، بل يرتبط بشكل مباشر بسلامة الحجاج وكرامتهم.
إن الحاج المصري لا يطلب امتيازات استثنائية، وإنما يطلب الحد الأدنى من الحقوق التي دفع مقابلها أموالاً طائلة.
ولذلك فإن أي تقصير يثبت وقوعه يجب أن يقابله تعويض عادل وسريع للمتضررين ومحاسبة واضحة للمسؤولين عنه.
كما أن الوقت قد حان لإنشاء منصة إلكترونية رسمية لتلقي شكاوى الحجاج ومتابعتها لحظة بلحظة أثناء الموسم، بحيث تصبح الرقابة حقيقية ومستمرة وليست مجرد رد فعل بعد انتهاء الأزمة.
الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن سمعة الحج المصري لا يحميها الصمت، بل تحميها الشفافية. ولا تحميها المجاملات، بل تحميها المحاسبة.
أما الجائزة التي نفخر بها جميعًا، فيجب أن تكون حافزًا لمزيد من التطوير والتدقيق والمراجعة، لا سببًا لإغلاق الملفات أو تجاهل الأسئلة المشروعة.
إن موسم حج 1447هـ لا يحتاج إلى الاحتفال فقط، بل يحتاج إلى كشف حقائق كامل، ومراجعة شاملة، ومحاسبة عادلة، حتى لا تتكرر الأخطاء ذاتها في المواسم المقبلة.
فالذين وقفوا على جبل عرفات وأدوا المناسك في أطهر بقاع الأرض يستحقون أن تُصان حقوقهم بالقدر نفسه الذي نحتفي فيه بالجوائز والإنجازات !!!



