بأقلامهم

“الدكتور عبد الرحيم ريحان” يكتب لـ “المحروسة نيوز” : سيناء بين محاولات الطمس ونهضة الاسترداد

في يوم 25 أبريل، 2026 | بتوقيت 2:31 مساءً

لم تكن سيناء يومًا مجرد رقعة جغرافية على خريطة الوطن، بل كانت — ولا تزال — سجلًا حيًا لتاريخ مصر عبر العصور، ومسرحًا لتلاقي الحضارات والديانات، وشاهدًا على صمود الهوية المصرية أمام محاولات الطمس والتزييف. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تتعرض هذه البقعة الغالية لأخطر مخطط استهدف هويتها وتاريخها خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي بين عامي 1967 و1982.

مخطط ممنهج لطمس الهوية

سعى الاحتلال الإسرائيلي خلال تلك الفترة إلى تنفيذ مخطط متكامل يستهدف طمس الهوية المصرية لسيناء، عبر تزوير تاريخها وسرقة آثارها، تمهيدًا لإضفاء صبغة يهودية مصطنعة عليها تُستخدم لاحقًا كذريعة تاريخية لتحقيق أطماع توسعية.

وقد ثبت بالأدلة أن سلطات الاحتلال قامت بأعمال تنقيب غير مشروعة في أكثر من 35 موقعًا أثريًا داخل سيناء، في مخالفة صارخة للقوانين الدولية، وبأساليب تفتقر إلى الحد الأدنى من العلمية، بهدف البحث عن شواهد تخدم رواية مزيفة، إلى جانب تهريب قطع أثرية لعرضها في متاحفهم أو الاتجار بها.

تزوير التاريخ.. محاولات مكشوفة

ومن أبرز هذه المحاولات ما جرى في قلعة صلاح الدين الأيوبي بجزيرة فرعون، حيث نفذت سلطات الاحتلال أعمال حفر ومسح أثري عام 1968، وسعت إلى ترويج ادعاءات باطلة بأن القلعة كانت ميناءً يهوديًا. غير أن هذه المزاعم سقطت أمام الحقائق العلمية، حيث تم تفنيدها بالأدلة الأثرية ونشرها في دوريات علمية متخصصة.

ولم تتوقف محاولات التزييف عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل تزوير مسار الحج المسيحي في سيناء، عبر نقش “المينوراه” — الشمعدان المرتبط بالثقافة اليهودية — في محاولة لتهويد الطريق، وهي المحاولات التي تم دحضها أيضًا من خلال الأدلة العلمية التي أكدت الطابع المسيحي الأصيل لهذا المسار التاريخي.

الأدلة الأثرية تعيد كتابة التاريخ

ومع استعادة سيناء، بدأت مرحلة جديدة من العمل العلمي المنهجي، حيث تولى علماء الآثار المصريون مهمة إعادة كتابة تاريخها استنادًا إلى الأدلة الأثرية الموثقة. وقد أسهمت هذه الجهود في تثبيت الحقائق التاريخية، وكان من أبرز نتائجها إدراج كتاب هيئة الآثار المصرية الصادر عام 1986 عن تاريخ ومعالم قلعة صلاح الدين ضمن الوثائق التي دعمت الموقف المصري في قضية طابا، وأسهمت في استردادها.

“التجلي الأعظم”.. تنمية بروح التاريخ

واليوم، تشهد سيناء مرحلة غير مسبوقة من التنمية الشاملة، تجسدها مشروعات قومية كبرى، في مقدمتها مشروع “التجلي الأعظم” بمدينة سانت كاترين، الذي يستهدف تحويل المنطقة إلى مركز عالمي للسياحة الروحانية، باعتبارها ملتقى للديانات السماوية الثلاث.

ويعتمد المشروع على استثمار المقومات الفريدة للمنطقة، من جبال مقدسة مثل جبل موسى وجبل التجلي وجبل سانت كاترين، إلى جانب تطوير البنية التحتية والخدمات السياحية، وإنشاء منشآت فندقية وبيئية، ومراكز للزوار، ومناطق تراثية، بما يحافظ على الطابع البيئي والروحاني الفريد للمدينة.

كما يشمل المشروع تطوير مطار سانت كاترين، وتسيير رحلات طيران منتظمة، وإنشاء مشروعات ثقافية مثل عروض الصوت والضوء في الوادي المقدس، إلى جانب دعم السياحة الاستشفائية وسياحة السفاري والمغامرات.

سيناء.. مستقبل اقتصادي واعد

ومن المتوقع أن يسهم هذا المشروع في جذب ملايين السائحين سنويًا، بما يعزز مكانة سيناء كوجهة سياحية عالمية متعددة الأنماط، تجمع بين السياحة الدينية والثقافية والبيئية والعلاجية. كما يفتح آفاقًا واسعة للاستثمار، ويوفر فرص عمل حقيقية لأبناء سيناء، مع الحفاظ على التراث البدوي ودعمه كمكون أساسي في التجربة السياحية.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تعظيم الاستفادة من هذه المقومات عبر عدد من المسارات العملية، في مقدمتها التوسع في التوثيق الرقمي الشامل للآثار في سيناء وربطها بمنصات العرض العالمية، بما يسهم في حماية التراث من أي محاولات تزييف مستقبلية. كما تفرض المرحلة ضرورة إطلاق حملات ترويج دولية احترافية لسياحة المسارات الدينية، وعلى رأسها مسار نبي الله موسى ومسار العائلة المقدسة.

ومن المهم كذلك دعم البحث العلمي الدولي المشترك تحت إشراف مصري كامل، لضمان استمرار كشف الحقائق الأثرية وتثبيتها علميًا، إلى جانب تمكين المجتمعات البدوية اقتصاديًا ودمجها في منظومة التنمية السياحية، بما يعزز الاستدامة ويحافظ على الهوية المحلية.

ولا يقل أهمية عن ذلك العمل على إنشاء متحف دولي متخصص لتاريخ سيناء، يوثق جميع مراحلها الحضارية، ويكون بمثابة منصة ثقافية عالمية تعكس ثراء هذا الإقليم الفريد.

تطوير “الفرما”.. إحياء مسار مقدس

وفي إطار إحياء مسار العائلة المقدسة، شهدت منطقة آثار الفرما بشمال سيناء أعمال تطوير شاملة، شملت رفع كفاءة الموقع الأثري، وتمهيد الطرق، وتوفير الخدمات الأساسية، وإنشاء مظلات ومسارات للزيارة، إلى جانب إقامة متحف ومركز للحرف التراثية البدوية، بما يعيد إحياء القيمة التاريخية والدينية للمنطقة.

بين الماضي والمستقبل

إن ما تعرضت له سيناء من محاولات طمس وتزييف لم يكن سوى فصل عابر في تاريخها العريق، سرعان ما تجاوزه الوعي العلمي والإرادة الوطنية. واليوم، تقف سيناء نموذجًا حيًا لقدرة الدولة المصرية على حماية تاريخها، واستثماره في بناء مستقبل تنموي واعد، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويؤكد أن التاريخ الحقيقي لا يمكن تزويره، بل يعيد دائمًا فرض نفسه بالأدلة والحقائق.