حينما يتحول الكذب إلى وسيلة، والبجاحة إلى أداة، للوصول إلى الكراسي والمناصب، فإننا لا نكون أمام مجرد منافسة انتخابية، بل أمام سقوط أخلاقي مكتمل الأركان.
لم يعد الأمر مجرد ادعاءات عابرة أو وعود انتخابية مبالغ فيها، بل أصبحنا نرى مشاهد صادمة لأشخاص يمارسون الكذب علنًا، ويجيدون تمثيل دور الصادقين، بل ويصدقون أنفسهم وهم يغرقون في الزيف. يتقنون ذرف الدموع، ويصنعون من الأكاذيب قصصًا، ظنًا منهم أن الناس قد تُخدع إلى الأبد.
لكن الحقيقة التي يتناسونها، أو يتجاهلونها عمدًا، أن الله لا تخفى عليه خافية.
يعلم ما في الصدور، ويرى ما تُخفيه النوايا، ويحصي كل كلمة نُطقت زورًا، وكل موقف بُني على باطل.
فأي جرأة هذه التي تدفع إنسانًا أن يقف أمام الناس كاذبًا؟
وأي قسوة قلب تجعله يصر على كذبه، بل ويدافع عنه، وكأن شيئًا لم يكن؟
وأي وهم هذا الذي يجعله يظن أن المنصب يمكن أن يُغسل به تاريخ من الخداع والتضليل؟
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تنافس، بل اختبار حقيقي لضمائر غابت، وقلوب قست، ونفوس باعت الصدق بثمن بخس.
يريدون ثقة الناس، وهم أول من خان هذه الثقة.
يطلبون الاحترام، وهم لم يحترموا عقول من يخاطبونهم.
لكن، هل فكر هؤلاء—ولو للحظة—في اللحظة الفاصلة؟
لحظة يقفون فيها بين يدي الله…
لا مناص، ولا مفر، ولا مجال لتزييف أو تمثيل.
حين تُكشف السرائر، وتُفضح النوايا، ويُسأل كل إنسان عمّا قال وفعل.
بأي وجه سيقفون؟
وبأي لسان سيدافعون عن أنفسهم؟
هل ستنفعهم دموع زائفة؟
أم كلمات صيغت بالكذب والتدليس؟
لقد حذرنا الله من الكذب وأهله، وجعل عاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة، لأن الكذب ليس مجرد خطأ، بل هو باب لكل شر، وطريق لكل خيانة.
إن المناصب تزول، والكراسي لا تدوم، لكن ما يبقى هو الأثر…
إما صدق يُرفع به الإنسان، أو كذب يهوي به إلى حيث لا يتمنى.
ودعوتي الصريحة إلى كل ناخب وكل مواطن:
لا تنساقوا وراء المخادعين… لا تنخدعوا بالمظاهر المصطنعة، ولا بالدموع الزائفة، ولا بالشعارات الرنانة التي تُخفى وراءها نوايا لا يعلمها إلا الله.
اختاروا من يستحق، من صدق معكم قبل أن يطلب أصواتكم، من احترم عقولكم ولم يراهن على خداعكم.
وهنا، لا بد من كلمة واضحة لا لبس فيها:
لا ثقة لكاذب، ولا أمانة لمن خان الحقيقة، ولا مكان في ضمير هذا الوطن لمن يستخف بعقول الناس.
وليعلم كل من اختار الكذب طريقًا، أن الحساب آتٍ لا محالة…
وأن الوقوف بين يدي الله ليس مشهدًا يمكن تزويره، ولا موقفًا يمكن الهروب منه.
فإما صدق يُنجي…
وإما كذب يُهلك.
لله الأمر من قبل ومن بعد


