على مدار عقود طويلة، ظلت نقابة الصحفيين واحدة من أبرز المؤسسات المهنية التي تميزت بانضباطها الإداري واحترامها للتدرج الوظيفي، حيث كانت لكل موقع مهامه المحددة التي تُدار وفقًا للوائح والقوانين المنظمة، بما يضمن استقرار العمل وحفظ كرامة جميع العاملين بها.
غير أن ما يشهده الواقع مؤخرًا يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأداء الإداري داخل النقابة، خاصة فيما يتعلق بدور كل من السكرتير العام أو أمين الصندوق، واللذين باتا – وفق لما خو واضح للعامة وما يتردد بين العاملين – يتجاوزان الأدوار التقليدية لموقعيهما تحت مسمى “متابعة الأداء”.
فمن غير المعتاد، بل ومن غير المألوف تاريخيًا، أن يترك السكرتير العام أو أمين الصندوق مكتبيهما بشكل متكرر للتواجد بين الموظفين ومباشرة التفاصيل اليومية الدقيقة، في الوقت الذي يفترض فيه أن تُدار هذه الأمور من خلال الإدارات المختصة، وعلى رأسها المدير العام، المسئول المباشر عن تسيير شئون العاملين وفق الأطر القانونية والإدارية.
وعلى امتداد عضويتى بالنقابة التى تتجاوز ثلاثة عقود داخل أروقة النقابة، لم يكن هذا النمط من الإدارة حاضرًا، إذ كانت القيادات السابقة تدير الملفات من مواقعها، مع ترك مساحة كافية للمسئولين التنفيذيين لممارسة اختصاصاتهم، طالما التزموا بالقانون ولم يخرجوا عن قواعد العمل.
لكن اللافت للنظر، بحسب رؤيتى الشخصية و شهادات عدد من الموظفين الإداريين، هو تصاعد حالة من التذمر نتيجة ما وصفوه بأسلوب إداري يتسم بالتشدد من قبل السكرتير العام للنقابة ، بل ويتجاوز في بعض الأحيان حدود اللياقة المهنية وقد تتجاوز الأخلاقية ، سواء من خلال رفع الصوت أو التعامل بحدة، فضلًا عن التلويح بإجراءات عقابية تصل إلى حد التهديد بالفصل في مواقف إنسانية طارئة، كالتأخير الناتج عن سوء الأحوال الجوية أو الظروف القهرية.
الأخطر من ذلك، هو ما قد يُفهم على أنه تجاهل أو تجاوز للقوانين واللوائح المنظمة للعمل، وهي ذاتها القوانين التي يفترض أن يكون القائمون على العمل النقابي أكثر حرصًا على تطبيقها واحترامها، لا سيما في مؤسسة تدافع بالأساس عن الحقوق والحريات.
هذا النمط من الإدارة، إن صح، يثير مخاوف حقيقية بشأن بيئة العمل داخل النقابة، ويطرح تساؤلًا جوهريًا: هل الهدف هو تحسين الأداء فعليًا، أم تقديم صورة دعائية أمام الجمعية العمومية توحي بالاجتهاد والرقابة المباشرة لكسب ود وأصوات الجمعية إنتظاراً للإنتخابات القادمة؟
وهنا تبرز قضية لا تقل أهمية، وهي الحفاظ على وقار المنصب النقابي، باعتباره أحد أهم الأعمدة التي تستند إليها هيبة المؤسسة. فالمناصب القيادية داخل نقابة الصحفيين لم تكن يومًا مجرد مواقع تنفيذية، بل كانت تمثل قيمة مهنية وتاريخًا من الالتزام والانضباط.
ولا يليق بمن يتولى موقعًا قياديًا أن ينخرط في تفاصيل قد تُفسر على أنها خروج عن الإطار العام للدور القيادي، أو نزول إلى مستويات أدنى من طبيعة المسئولية، بما قد ينعكس سلبًا على صورة المنصب وهيبته.
لقد جرى العرف داخل النقابة أن تُدار الملفات من خلال منظومة متكاملة تحترم الاختصاصات، حيث يمارس كل مسئول دوره وفقًا لموقعه، وهو ما كان يضمن حسن سير العمل دون تداخل أو ارتباك، ويحافظ في الوقت ذاته على صورة النقابة ككيان منضبط يحظى بالاحترام.
لقد شهدت النقابة عبر تاريخها قيادات وصفت بـ”العمالقة”، فى منصب السكرتير العام لم تكن بحاجة إلى استعراض أو تدخل مباشر في التفاصيل اليومية لإثبات كفاءتها، بل كانت تعتمد على الإدارة الرشيدة، والالتزام بالقانون، والتعامل الإنساني الراقي مع العاملين، إدراكًا منهم أن هؤلاء الموظفين هم العمود الفقري الذي تستند إليه المؤسسة.
إن الانخراط المفرط في التفاصيل، أو محاولة الظهور بمظهر المتابع لكل صغيرة وكبيرة، قد يضر – دون قصد – بصورة المنصب، ويؤدي إلى تآكل الفواصل الطبيعية بين مستويات الإدارة المختلفة، وهو ما ينعكس سلبًا على كفاءة العمل.
كما أن الوقار لا ينفصل عن أسلوب التعامل، فالقائد الحقيقي هو من يفرض احترامه بهدوئه واتزانه، لا بحدة صوته أو التلويح بالعقوبات. والتاريخ النقابي حافل بنماذج قيادية استطاعت أن تدير الملفات بكفاءة، وتحافظ في الوقت ذاته على علاقات إنسانية راقية مع جميع العاملين.
إن الحفاظ على كرامة العاملين ليس ترفًا إداريًا، بل هو ركيزة أساسية لاستقرار العمل ونجاحه. كما أن تطبيق القانون يجب أن يكون متوازنًا، يراعي الواجبات دون إغفال الحقوق، بعيدًا عن أي ممارسات قد تُفسر على أنها “إرهاب وظيفي” أو تضييق أو إساءة استخدام للسلطة.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم:
إن المناصب القيادية ليست فقط مسئولية إدارية، بل هي مسئولية أخلاقية وإنسانية، تفرض على شاغليها الحفاظ على وقارها والرحمة في التعامل، واحترام الآخر، والالتزام بالقانون، هي السبيل الحقيقي لكسب التقدير، لا الاستعراض أو التشدد والتعامل برقي يليق بتاريخ نقابة الصحفيين.


