بأقلامهم

“الدكتور محمد عبد المنعم صالح” يكتب لـ “المحروسة نيوز” : الحرص والحذر الطريق لتجنب ” فيروس هانتا “

في يوم 13 مايو، 2026 | بتوقيت 8:00 صباحًا

في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالأمراض المعدية، وخاصة بعد الحوادث الأخيرة المرتبطة بفيروس هانتا، أصبح من الضروري رفع مستوى الوعي المجتمعي والصحي، لا سيما داخل القطاعات الأكثر ارتباطًا بصحة الإنسان، وفي مقدمتها قطاعا السياحة والغذاء، لما لهذا الفيروس من انعكاسات صحية واجتماعية واقتصادية قد تكون خطيرة إذا غابت إجراءات الوقاية والرقابة.

ويُعد فيروس هانتا من الفيروسات الحيوانية المنشأ، أي الأمراض المشتركة التي تنتقل من الحيوان إلى الإنسان، حيث يرتبط بشكل أساسي بالقوارض مثل الفئران والجرذان، وينتقل عبر استنشاق الهواء الملوث ببول أو فضلات القوارض، أو من خلال تناول أغذية ملوثة، أو ملامسة أسطح ملوثة ثم لمس الفم أو الأنف أو العين، بينما تظل العدوى المباشرة بين البشر نادرة للغاية وتقتصر على بعض السلالات المحدودة.

وينقسم فيروس هانتا إلى نوعين رئيسيين، الأول يعرف بمتلازمة هانتا الرئوية، ويصيب الجهاز التنفسي وقد يؤدي إلى فشل تنفسي حاد، أما النوع الثاني فهو الحمى النزفية المصحوبة بالفشل الكلوي، والتي تؤثر بصورة مباشرة على الكلى والأوعية الدموية، وقد تصل نسبة الوفيات في بعض الحالات إلى ما يقرب من 40 إلى 50 بالمائة، وهو ما يبرز خطورة المرض وأهمية الاكتشاف المبكر له.

وتبدأ أعراض الإصابة عادة بصورة تشبه نزلات البرد أو الإنفلونزا، حيث يعاني المصاب من ارتفاع في درجة الحرارة وآلام شديدة في العضلات وصداع وإرهاق وغثيان وآلام بالبطن، ثم تتطور الحالة سريعًا في بعض الحالات إلى سعال حاد وضيق شديد في التنفس وتجمع للسوائل داخل الرئتين، مع انخفاض في ضغط الدم واحتمالات حدوث فشل بالقلب أو الكلى، الأمر الذي قد يجعل حياة المريض مهددة خلال أيام قليلة إذا لم يتلق الرعاية الطبية المناسبة.

ولا تقتصر خطورة فيروس هانتا على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى التأثير النفسي والاجتماعي، حيث تتسبب الأخبار المرتبطة بالإصابات في إثارة حالة من القلق والخوف لدى المواطنين، خاصة مع التخوف من الأماكن المغلقة أو المناطق غير النظيفة، فضلًا عن زيادة الضغط على المستشفيات والمنظومة الصحية.

كما يمثل الفيروس تهديدًا حقيقيًا لقطاعي الغذاء والسياحة، فوجود القوارض داخل المطاعم أو مخازن الأغذية قد يؤدي إلى تلوث الطعام وفقدان ثقة المستهلك،

إضافة إلى تعرض المنشآت غير الملتزمة بالاشتراطات الصحية لعقوبات وغرامات مشددة. أما الفنادق والمنشآت السياحية فقد تتأثر بانخفاض نسب الإشغال وارتفاع تكاليف التطهير والتعقيم ومكافحة الآفات، فضلًا عن احتمالات الإغلاق المؤقت حال ظهور إصابات.

وعلى مستوى السياحة الدولية، قد يؤدي انتشار الفيروس إلى تراجع حركة السفر وفرض قيود صحية إضافية على السائحين، كما تتأثر الرحلات البحرية والأنشطة المرتبطة بالتجمعات السياحية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والاستثمارات المرتبطة بالقطاع السياحي.

ورغم أن خطر تحول فيروس هانتا إلى جائحة عالمية يظل منخفضًا نسبيًا بسبب ضعف انتقاله بين البشر، فإن ذلك لا يقلل من أهمية الحذر، خاصة أن سرعة تطور الأعراض وصعوبة التشخيص المبكر قد تؤديان إلى مضاعفات خطيرة.

ومن هنا تأتي أهمية الالتزام بإجراءات الوقاية، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات. فعلى المستوى الشخصي، يجب تجنب ملامسة القوارض أو مخلفاتها، مع ضرورة تهوية الأماكن المغلقة قبل تنظيفها، وارتداء القفازات والكمامات أثناء عمليات التنظيف، وعدم استخدام المكانس اليدوية لتنظيف المخلفات الجافة حتى لا ينتشر الغبار المحمل بالفيروس في الهواء.

أما في قطاع الغذاء والمطاعم، فينبغي الالتزام الصارم بتخزين الطعام داخل حاويات محكمة الغلق، وتنفيذ برامج دورية لمكافحة القوارض، مع تنظيف وتعقيم أماكن إعداد الطعام بصورة مستمرة، والتخلص الآمن من القمامة.

فضلًا عن تطبيق اشتراطات سلامة الغذاء وفقًا لنظم الأيزو 22000 ونظام تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة (HACCP).

وفي الفنادق والمنشآت السياحية، تبرز أهمية الفحص الدوري للمخازن والمطابخ، والتأكد من سلامة مصادر الغذاء والتوريد، إلى جانب تدريب العاملين على إجراءات الوقاية ومواجهة المخاطر الصحية المحتملة.

كما يقع على عاتق الدولة دور محوري من خلال تكثيف حملات التوعية الصحية، وتشديد الرقابة على المنشآت الغذائية والسياحية، ورصد الحالات مبكرًا والتعامل معها بسرعة وكفاءة، بالتعاون مع الجهات والمنظمات الصحية الدولية.

وفي النهاية، فإن فيروس هانتا، رغم خطورته، يظل من الأمراض التي يمكن الحد من مخاطرها بشكل كبير من خلال الالتزام بالنظافة العامة، ومكافحة القوارض، وتطبيق معايير سلامة الغذاء، ونشر الوعي الصحي بين المواطنين.

فالوقاية تظل دائمًا خط الدفاع الأول، والحرص والحذر هما الطريق الحقيقي لتجنب المخاطر الصحية وحماية المجتمع والاقتصاد معًا.