يسألونك عن العقيدة؟.. قل تقوم عليها كل التصورات التي تحكم حياة الإنسان، وتجعله دائمًا يريد تنفيذ ما يعتقد قلبه وعقله، وهي تدفع صاحبها إلى التضحية.
جاءت العقيدة من «عقد» بمعنى الشد والربط والتوثيق؛ ما يدل على رسوخ الأمر في داخل الإنسان أو المجتمع.
وتُعد العقيدة الأساس الذي يقوم عليه سلوك من يعتقد فتصرفاته تضمن له السير في طريق ما يريد وتنفيذ الأمور التي يؤمن بها سواء الفرد أو المجتمع، ويكون مؤقنًا ومستعد للتضحية.
وتبنى العقيدة على الجانب الديني أو الفكري أو المصلحة؛ فعقيدة الصهيو أمريكي المعتدي في الحروب تتمثل في إخضاع الدول، وإذلال الشعوب، والسيطرة عليها وتدميرها من الداخل عن طريق التآمر وزرع الخونة والمنافقين.
وجاءت العقيدة «الصهيو أمريكية» من الوهم بالقوة لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه؛ إذ استطاعت أمريكا منذ قيامها القضاء على الهنود الحمر «السكان الأصليين للأرض»، وبعد ذلك أخضعت اليابان بالقنابل النووية، ثم أخضعت أوروبا لها بعد الحرب العالمية الثانية وجعلتها تابعة لها، كما شاركت في انهيار الاتحاد السوفيتي بالتآمر.
وبسبب هذه العقيدة، تم إشعال الحرب العراقية الإيرانية، وما فعلته في بنما وفيتنام، ومناصرتها لإسرائيل في كل المحافل الدولية، رغم جرائمها التي لا تُحصى ضد الإنسانية.
أما عقيدة «الصهاينة» المحتلين للأرض الفلسطينية والعربية فتتمثل في التآمر والغدر وإشعال الحروب وقتل الأبرياء واغتصاب حقوق الغير؛ فتقوم عقيدتهم على العدوان على الدول العربية الواحدة تلو الأخرى مثلما فعلت في غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية.
وقد استطاعت فرض السيطرة بالتحالف مع بعض الدول، وتحييد البعض الآخر؛ من خلال عقد الاتفاقيات في المنطقة بدليل استفرادها بقطاع غزة لمدة عامين.
وقد زادت سطوتها بعد أن فشلت ثورات الربيع العربي وخضوع وخنوع كثير من الدول العربية لأمريكا، وبالتالي الخضوع والتبعية للصهيونية؛ إما بالاتفاق وإما بالقواعد العسكرية بزعم حماية تلك الدول.
ونأتي إلى الطرف الذي مكَّن «الصهيو أمريكي» في المنطقة؛ وهو دول الخليج التي سمحت بإقامة قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، وتنازلت عن سيادتها لمن وضعت له تلك القواعد؛ فهي تدفع تكاليفها ولا تحميها، وإنما تحمي مصالح أمريكا، وتحافظ على أمن الكيان الصهيوني في المقام الأول، وليس حماية الدول العربية التي زرعت فيها تلك القواعد.
وهنا أصبحت حرب دائرة على أرض عربية مسلمة أساسها ديني؛ من أجل الاستغلال والسيطرة وفرض الأفكار والمعتقدات التي تريد بثها في المنطقة.
*الهدف من الاعتداء الأخير على إيران:
**فشل أمريكا في إيجاد عملاء يتعاملون معها في تغيير نظام الحكم في إيران، بعد ما تبين لها فشل الحصار المفروض عليها طوال 45 عامًا.
**وجود ثأر قديم مع النظام الإيراني منذ قضية رهائن السفارة الأمريكية.
**استغلال موارد إيران، ومنع امتلاكها السلاح النووي.
أما هدف الكيان الصهيوني فيتمثل في أنه يريد الحيلولة دون وجود أي قوة ردع نووي في المنطقة، علاوة على فشله في هزيمه إيران خلال حرب الــ12 يومًا في العام الماضي، بعد وقوفها بجانب أهل غزة.
وترى أمريكا أن بيدها السلطة المطلقة في إدارة شؤون العالم، خاصة بعد اختطافها رئيس فنزويلا، دون أن يتحرك أحد ويعقب على ما فعلته؛ لذلك أقدمت على الحرب ضد إيران كفرصة سانحة لمساعدة الكيان الصهيوني في تحقيق حلمه، وأن تكون له السلطة المطلقة على منطقة الشرق الأوسط.
لقد رأت أن إيران تمثل العقبة الرئيسة في تنفيذ مشروعها؛ فتم العدوان عليها، وهي لا تدرك عقيدة الشعب الإيراني.
إنَّ هدف الحرب في منطقة الشرق الأوسط هو تدمير الأمة بأسرها وليس إيران فقط؛ فلأمريكا قواعد عسكرية في منطقة الخليج، وهي تعلم أن إيران هددت بالاعتداء على تلك القواعد إذا ما تعرضت لهجوم أمريكي؛ وبذلك تشتبك إيران مع الدول العربية.
وتهدف أمريكا من العداون على إيران إلى تنفيذ مخطط إسرائيل؛ وهو «إسرائيل الكبرى»؛ لتكون إيران مثل غزة وجنوب لبنان والعراق وسوريا وليبيا، خاصة في ظل صمت العالم الإسلامي على جرائم الكيان التي يرتكبها في حق الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية.
«الصهيو أمريكي» خانه تصوره، وهو لا يدرك أن إيران تملك قوة ولديها عقيدة لا يستهان بهما؛ فمساحة إيران كبيرة بتضاريسها؛ ما يُصعِّب على أمريكا عمل إنزال بري؛ فقد جربت ذلك من قبل أثناء أزمة «رهائن السفارة الأمريكية»، ولكنها هزمت حينها.
والمقياس الحقيقي للانتصار في الحرب لا يكون إلا باحتلال الأراضي، وليس القصف الجوي عن بُعد؛ وهذا أصعب ما يكون بالنسبة لـ«الصهيو أمريكي»، فضلًا عن أن عقيدة إيران إطالة أمد الحرب، واستنزاف من يعتدي عليها؛ فالخاسر الأكبر هو «الصهيو أمريكي»، لاسيما وأنَّ ما قامت به أمريكا والكيان الصهيوني مخالف للقوانين والأعراف الدولية والقيم والمعتقدات والمبادئ؛ بالاعتداء على شعب، واغتيال أبرز قياداته دون وجود نزاع أو مشكلة؛ ما يؤكد أنَّ «مجلس الأمن» و«الأمم المتحدة» ليسا سوى «ألعوبة» في يد أمريكا.
إنَّ الحرب على إيران هي معركة بين «الإيمان والكفر» بين «الحق والباطل» فالطغاة يستكبرون في الأرض بغير حق، ولكن مهما كانت قوة الباطل وضخامتها فسوف تنكسر.
ورغم أن المعركة غير متكافئة؛ فإيران تحارب قوة عسكرية ظالمة وقدرات جوية وعتاد وعالم يقف مع الظالم، إلا أن الحقيقة كما يصورها القرآن الكريم: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ» (الزمر/ 36).
ما ذنب 120 طفلًا وطفلة قتلتهم أمريكا بقصف متعمد لإحدى المدارس بإيران؟ أو اغتيال بعض القادة؟.. إن الشعب الإيراني رغم وجوده تحت الحصار لمدة نصف قرن لم تُكسر إردته؛ لأنه يعلم أن إرادة الله هي النافذة ومشيئته هي الغالبة؛ بدليل أنه استطاع إحداث نهضة بتحقيق الإكتفاء الذاتي من غذاء ودواء وسلاح، جعلته قادرًا على الوقوف ضد أكبر قوة ظالمة في العالم.
إنَّ إرهاب أمريكا وبطشها وقدرتها على قلب المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ونشرها الفساد والباطل والضلال في الدول الضعيفة، يهيئ لها أنها تخفت صوت الحق والعدل، وأنه لن يجرؤ أحد على مناهضتها.
المعتدي الظالم يمتلكه التصور والإدراك الخاطئ لحقائق الكون؛ فقد ساقه وهمه إلى الحرب والاعتداء لكي يظهر وينكشف أكثر، ولعله سيهُزم كما هُزِم في أفغانستان وفيتنام مادام يواجه قوة حقيقية.
نحن نستغرب من موقف الجامعة الممثلة للدول العربية في إدانتها لإيران التي تدافع عن نفسها بضربها القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج التي سمحت لتلك القواعد بضرب إيران!
وهذه القواعد رغم أنها على أراضٍ عربية، إلا أنه لا يستطيع مسؤول عربي دخولها.. وهنا نتساءل: أين كانت جامعة الدول العربية من حرب الإبادة على غزة التي يمارسها الكيان الصهيوني لمدة عامين دون اتخاذ موقف ضد الظلم والباطل والتجويع الذي دمر شعبًا مسلمًا أعزل على أرضه؟.
إذا كان العرب يعتقدون أنهم بعيدون عما يحدث لإيران فهم مخطئون؛ فإنْ هُزمت إيران- لا قدر الله- فإن الدور سيكون عليهم، ولن يكونوا حينها في مأمن من أهل الغدر والخيانة الذين لا يقبلون بوجود قوة حقيقية في المنطقة غير الكيان الصهيوني؛ لكي تكون كل الدول العربية ضعيفة، ويكون له السيطرة الكاملة عليها، خاصة أنه يعرف أن الواقع السياسي العربي ما بين دول ضعيفة، وتابعة، ومهشَّمة، ومهمَّشة؛ فهي فئات خارج منافسة عربدة هذا الكيان، والوقوف أمامه لتحقيق أطماعه منذ أن كانت مجرد فكرة في بداية القرن الماضي.
لقد عملت الآلة الإعلامية الصهيونية على التفرقة بين السنة والشيعة؛ فبثت الأكاذيب، وجعلت بعض الشعوب العربية تناصب العداء لإيران؛ باعتبارها بعبع المنطقة، بينما كل جريمة إيران من وجهة نظر الغرب؛ الثورة التي قامت فيها، والتزامها بالمنهج الديني، ودعمها لأهل غزة، وعدم رضوخها للنظام «الصهيو أمريكي».
إيران تعلم أن لمواجهة الظالم تكاليف في النفس والمال فهي ترفض الاستسلام؛ لأنها تعلم أنها إذا استسلمت فسوف يفعل فيها النظام «الصهيو أمريكي» مثلما فعل في غيرها، وستكون دولة مُهشَّمة، من الصعب أن تعود إلى فاعليتها في النظام الدولي أو المنطقة لمدة طويلة.
إيران دولة مسلمة ذات حضارة تمتلك من الثروات والمقدرات ما يجعلها متقدمة، لكن الحلف «الصهيو أمريكي» ناصبها العداء وفرض عليها الحصار؛ بسبب ثورتها ذات الطابع الديني، رغم أنها أيام حكم الشاه العلماني كانت الحليف الأقوى في الشرق الأوسط لـ«الصهيو أمريكي» والدول التابعة له.
ويمكن القول: إن الاعتداء «الصهيو أمريكي» على إيران هو سيناريو تنفذه عقيدة المعتدي من أجل السيطرة والإخضاع واستغلال موارد الشعب الإيراني، وتحقيق حلم الكيان الصهيوني بعد إخضاع دول المنطقة لهذه العقيدة بألا يكون هناك دولة قوية في المنطقة غيرها، ولكنها اصطدمت بعقيدة إيران الاسلامية التي تمنعها من الاستسلام والخضوع. ومن هنا ندرك أن الحرب الدائرة هي «حرب عقيدة».
كاتب المقال
محمد خراجه
الكاتب الصحفى بجريدة الأهرام
عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين
عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق
أمين صندوق نقابة الصحفيين السابق
رئيس تحرير جريدة الأهرام المسائى الأسبق
الكاتب الصحفى “محمد خراجة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” عن : ماذا بعد التعويم؟!
الكاتب الصحفى “محمد خراجة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” عن : ماذا بعد التعويم؟!
الكاتب الصحفى “محمد خراجة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” عن : ماذا بعد التعويم؟!
الكاتب الصحفى “محمد خراجة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” عن : ماذا بعد التعويم؟!
الكاتب الصحفى “محمد خراجة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” عن : ماذا بعد التعويم؟!
الكاتب الصحفى “محمد خراجة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” عن : ماذا بعد التعويم؟!
الكاتب الصحفى “محمد خراجة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” عن : ماذا بعد التعويم؟!
الكاتب الصحفى “محمد خراجة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” عن : ماذا بعد التعويم؟!

