في زحام النصوص القانونية، وبين سطور المواد والعقوبات، قد تغيب أحيانًا قضايا جوهرية عن بوصلة التشريع، فتظهر فجوات لا تقل خطورة عن الجرائم ذاتها.
وفي الوقت الذي يتجه فيه المشرّع إلى تغليظ العقوبات على بعض المخالفات الإجرائية—مثل عدم حمل رخصة قيادة—تظل أفعال تمس صميم العدالة وحقوق الملكية دون ردع حاسم أو نصوص واضحة تحكمها.
وتبرز واحدة من أخطر هذه الإشكاليات في ظاهرة بيع عقار واحد لأكثر من شخص، وهي ممارسة تهز الثقة في السوق العقاري، وتدفع المواطنين إلى دوامات معقدة من النزاعات القضائية،
فضلًا عن آثارها السلبية على الاستقرارين الاجتماعي والاقتصادي. ورغم جسامة هذا الفعل، إلا أنه لا يُقابل في كثير من الأحيان بعقوبات جنائية تتناسب مع حجم الضرر الواقع على الضحايا.
هنا تتجلى المفارقة بوضوح: كيف يُشدد القانون على مخالفات إجرائية بسيطة، بينما يبدو أقل حسمًا في مواجهة أفعال تمس حقوق الملكية بشكل مباشر؟
القضية لم تعد مجرد خلل قانوني، بل تحولت إلى أزمة ثقة حقيقية. فعندما يكتشف المواطن أن القانون لا يوفر له الحماية الكافية من الاحتيال في أهم ما يملك—وهو مسكنه—يتراجع الإحساس بالأمان القانوني، وتُفتح الأبواب أمام استغلال الثغرات والتحايل على النصوص.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في بعض مواد القانون المصري، ليس فقط بإضافة نصوص جديدة، بل بإعادة صياغة فلسفة الردع ذاتها، بحيث تتناسب العقوبات مع جسامة الأفعال وتأثيرها المباشر على المجتمع.
رسالة نوجهها إلى المشرّع المصري، وإلى مجلسي النواب والشيوخ، مؤكدًا أن العدالة لا تتحقق بكثرة القوانين، بل بدقتها وشمولها وقدرتها على حماية المواطن.
فإعادة مراجعة وتنقيح النصوص القانونية، ووضعها في ميزان العدالة، تمثل خطوة أساسية نحو بناء منظومة قانونية أكثر توازنًا، قادرة على سد الثغرات واستعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
لذا فإننا نؤكد على أن القانون لا يجب أن يغفل عن مثل هذه القضايا، لأن ثمن هذا الغياب تدفعه منظومة المجتمع بأكملها.



