بأقلامهم

“اللواء الدكتور سمير فرج “يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” : عندما تصبح القوة العسكرية الأمريكية أساسًا للردع

في يوم 9 مايو، 2026 | بتوقيت 2:00 مساءً

يُعتبر الردع العسكري “Deterrence” أساس الاستراتيجية لكل دولة، حيث ان هناك ردع بالقتال، وما يُطلق عليه الردع المادي، أي باستخدام القوة العسكرية للرد على أي تهديد للأمن القومي للدولة. ومثال لذلك عندما قامت القوات المسلحة المصرية بالقضاء على عناصر إرهابية في ليبيا بعد أن قتلت 20 مصريًا، ولم يمضِ صباح اليوم التالي إلا وكانت القوات المسلحة المصرية قد قضت على كل هذه العناصر الإرهابية داخل الأراضي الليبية. ومن يومها لم يتم التعرض لأي مصري موجود ويعمل في ليبيا، وهذا ما يُعرف بأنه الردع المادي ، أي استخدام القوة العسكرية لردع أي فرد أو كيان يهدد أمن مصر.

أما النوع الآخر من الردع فهو الردع المعنوي، ومثال لذلك ما تقوم به أمريكا حاليًا من حشد قوات عسكرية في منطقة الخليج العربي لردع إيران، وإجبارها الآن في هذه المرحلة على تغيير مواقفها والموافقة على المطالب الامريكية، حيث تقوم بتخويف إيران بوجود هذا الحشد من القوات العسكرية الذي قد يُستخدم ضدها في أي لحظة، وخاصة عندما ننظر إلى حجم القوة العسكرية الأمريكية الموجودة هناك، والتي هي كل يوم في تزايد مستمر.

وقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تحويل مسرح العمليات هناك في منطقة الخليج العربي إلى ما يشبه استعراض قوات متعددة المهام والأشكال، تشارك فيها حاملات الطائرات، والمدمرات، وسفن الإنزال، والمروحيات الهجومية، إلى جانب آلاف الجنود، حيث تحرص “القيادة المركزية الأمريكية – CENTCOM” على إظهار حجم هذه القوات باستمرار لردع، أي تخويف القوات الإيرانية وكل يوم تصدر اخبار عن تزايد هذه القوات العسكرية.

ونتيجة لهذا الحشد، عندما نفذت الولايات المتحدة الحصار البحري ضد إيران، كان هناك 25 سفينة استجابت لأوامر القيادة المركزية الأمريكية“CENTCOM” وكانت الضربة الأساسية ضد السفينة “توسكا”، ناقلة البترول التي كانت تحمل العلم الإيراني، وحاولت اختراق الحصار البحري الأمريكي واندفعت داخل مضيق هرمز غير عابئة بالتحذيرات التي صدرت من سفن الأسطول الأمريكي كذلك تم اعتراض السفينة “تيفاني” التي كانت تحمل العلم الإيراني، وتم الاستيلاء عليها بمعرفة قوات المارينز الأمريكية، واقتيادها والتحفظ عليها.

لذلك تحركت القيادة الأمريكية على الفور، وقامت قوات المارينز باقتحام السفينة بواسطة طائرات الهليكوبتر، واستولت عليها، وقادتها إلى منطقة تمركز الأسطول الأمريكي، لتعلن لأي سفينة أخرى وتحذرها بأن أي سفينة سوف تحاول اختراق الحصار سيكون مصيرها الاحتجاز هي وطاقمها. ولا شك أن هذا الحصار البحري الأمريكي قد ألحق الضرر بالاقتصاد الإيراني، حيث طبقًا لما أعلنه الرئيس الأمريكي بلغ حجم الخسائر حوالي 500 مليون دولار يوميًا.

ورغم أن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية من الحصار البحري ضد إيران يُعد مخالفًا لقوانين الملاحة الدولية، إلا أن الولايات المتحدة عادة لا تهتم بمثل هذه الاعتراضات، وتنفذ ما تريده إذا تعارضت مع مصالحها. لذلك فإن الولايات المتحدة ترى أن هذا الحصار البحري سوف يدفع إيران إلى تقديم تنازلات جديدة في المفاوضات الثانية مع أمريكا بهدف الوصول إلى السلام.

كما أن هذا الحصار سوف يجبر إيران على اتخاذ قرار بإعادة فتح مضيق هرمز للملاحة العالمية، وهو الأمر الذي يهم الولايات المتحدة، وخاصة الرئيس الأمريكي، حيث إن معظم دول العالم ترى أن الولايات المتحدة هي التي تسببت في تلك الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم نتيجة قيام أمريكا بهذه الحرب وإغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي ارتفاع الأسعار في كل دول العالم وبالتالي زيادة معدلات التضخم.

ومن هذا المنطلق، فإن أمريكا تضغط بسرعة لتنفيذ إجراءات الحصار على إيران لإجبارها على فتح مضيق هرمز للملاحة البحرية العالمية، ليعود تدفق النفط للعالم مرة أخرى، وتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه. وهكذا أصبحت القوة العسكرية الأمريكية، واستخدام هذه القوة، أداة ضغط على إيران لإجبارها على قبول مطالبها وشروطها خلال المفاوضات.

ولا شك أن تلك الإجراءات كان لها ثمن مادي، حيث إن القوات تحتاج إلى ميزانية إضافية من الكونغرس الأمريكي. ولكن بحسابات السياسة، فإن هذه الميزانية لحشد القوات الأمريكية في مضيق هرمز أقل بكثير من استخدام هذه القوات في حرب ضد إيران، حيث ستكون تكاليف الحرب والعمليات العسكرية، سواء من استخدام الذخائر أو المعدات أو خسائر الأفراد، باهظة للغاية بالمقارنة بتكاليف حشد القوات فقط، خاصة أنه من السهل لأي دولة أن تحدد متى تبدأ الحرب، ولكن من الصعب أن تحدد متى ستنتهي هذه الحرب.

وعمومًا، نقول إن حشد القوات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج كان أداة ردع لإيران، لإجبارها على تغيير مطالبها، وتجنب الدخول في حرب تؤدي إلى خسائر أكبر للجميع، وليس فقط للأطراف المباشرة.

وهذا المفهوم يعني أن الردع هو أن تحقق أهدافك ومهمتك دون الاضطرار إلى الدخول في حرب، قد تكون نتائجها أسوأ على الجميع، وليس على الأطراف المتحاربة فقط.

كاتب المقال

اللواء أركان حرب الدكتور سمير سعيد محمود فرج

Email: [email protected]

واحداً من أهم أبناء القوات المسلحة المصرية

ولد في 14 يناير في مدينة بورسعيد، لأب وأم مصريين.

تخرج، سمير فرج، من الكلية الحربية عام 1963.

والتحق بسلاح المشاة، ليتدرج في المناصب العسكرية حتى منصب قائد فرقة مشاة ميكانيكي.

تخرج من كلية أركان حرب المصرية في عام 1973.

والتحق بعدها بكلية كمبرلي الملكية لأركان الحرب بإنجلترا في عام 1974، وهي أكبر الكليات العسكرية في المملكة البريطانية،وواحدة من أكبر الكليات العسكرية على مستوى العالم.

فور تخرجه منها، عُين مدرساً بها، ليكون بذلك أول ضابط يُعين في هذا المنصب، من خارج دول حلف الناتو، والكومنولث البريطاني.

تولى، اللواء أركان حرب الدكتور سمير سعيد محمود فرج، ، العديد من المناصب الرئيسية في القوات المسلحة المصرية، منها هيئة العمليات، وهيئة البحوث العسكرية. وعمل مدرساً في معهد المشاة، ومدرساً بكلية القادة والأركان. كما عين مديراً لمكتب مدير عام المخابرات الحربية ورئاسة إدارة الشئون المعنوية.

تتلمذ على يده العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة، إبان عمله مدرساً في معهد المشاة، ومدرساً في كلية القادة والأركان المصرية.

لم تقتصر حياته العملية، على المناصب العسكرية فحسب، وإنما عمل، سمير فرج، بعد انتهاء خدمته العسكرية، في العديد من المناصب المدنية الحيوية، ومنها وكيل أول وزارة السياحة، ورئيس دار الأوبرا المصرية، ومحافظ الأقصر. ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة NatEnergy.

وله العديد من الكتب والمؤلفات العسكرية، خاصة فيما يخص أساليب القتال في العقيدة الغربية العسكرية. كما أن له عمود أسبوعي، يوم الخميس، في جريدة الأهرام المصرية ومقال أسبوعى يوم السبت فى جريدة الصرى  اليوم.