بأقلامهم

“اللواء الدكتور سمير فرج “يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” : غدًا الخامس من يونيو

في يوم 4 يونيو، 2026 | بتوقيت 12:00 مساءً

غدًا 5 من يونيو، وهي الذكرى التي أتذكر فيها كل عام أقسى وأصعب الأيام في تاريخ مصر وقواتها المسلحة، حين هاجمت القوات الإسرائيلية مصر في اتجاه سيناء، وهاجمت الأردن للاستيلاء على الضفة الغربية، وسوريا للاستيلاء على هضبة الجولان.

بدأت القصة في شهر مايو 1967، عندما تواردت أنباء عن احتشاد قوات إسرائيلية أمام الحدود السورية، في اتجاه هضبة الجولان، وهو ما أنبأ بنية إسرائيل شن هجوم على سوريا والاستيلاء على هضبة الجولان. فصدرت الأوامر في مصر بتحريك القوات المصرية إلى سيناء، في مظاهرة عسكرية، بهدف تأييد الإخوة في سوريا، وردع العدو الإسرائيلي عن تنفيذ مخططه بالهجوم واحتلال الأراضي السورية.

ولعل أول أخطاء القيادة العسكرية المصرية حينها هو عدم تحديد مهمة القوات المصرية التي تتحرك، إما في مهمة دفاعية أو لتنفيذ عملية هجومية، أما وجودها بهدف مظاهرة عسكرية فهو ما لم يرد في مراجع القتال العسكري.

وفي ذلك الوقت، كان هناك جزء كبير من القوات المسلحة المصرية يحارب في اليمن، أما باقي القوات الموجودة في مصر، فكان معظمها عائدًا لتوه من تلك الحرب. وقد كنت شخصيًا ضمن تلك القوات العائدة من اليمن، بعد ثلاث سنوات قضيتها فيما لا يمكن تصنيفه بأنه حرب بمفهومها التقليدي الحديث، وإنما كانت معارك جبلية ضد قبائل تنفذ كمائن على الطرق الرئيسية، وهو ما كان أحد أسباب افتقار القوات المصرية العائدة من اليمن إلى أساليب ومناهج الحروب الحديثة.

المهم أنني تحركت، وأنا برتبة ملازم أول، ضمن القوات المقاتلة إلى سيناء، ووصلت إلى الحدود مع العدو الإسرائيلي في منطقة الكونتيلا، ضمن كتيبتي المشاة، ورأينا علم إسرائيل يرفرف أمامنا على برج المراقبة، على مسافة 1200 متر داخل الحدود الإسرائيلية.

ولما جاء يوم الخامس من يونيو 1967، شنت قوات العدو الإسرائيلي ضربة جوية ضد المطارات والقواعد الجوية المصرية، وفي غضون ساعة واحدة حققت سيادة جوية كاملة على سماء مصر، مركزة على منطقة العمليات في سيناء. وحتى الطائرات المصرية التي لم تنجح إسرائيل في تدميرها، لم تستطع الطيران بسبب استخدام إسرائيل، في ذلك اليوم، نوعًا جديدًا من القنابل الفرنسية الصنع ضد ممرات المطارات، مما أصابها بأضرار جسيمة منعت استخدامها قبل إصلاحها وإعادة تأهيلها، وهو ما كان يستلزم أيامًا من العمل المتواصل لم تتوافر لقواتنا حينئذ.

وبعد الضربة الجوية الإسرائيلية، صدرت لنا الأوامر بالانسحاب من على خط الحدود إلى عمق سيناء، ومع الأسف تم الانسحاب تحت سيطرة جوية كاملة لطيران العدو الإسرائيلي. ووصلنا إلى منطقة نخل، وبعدها إلى ممر متلا، الذي يصل طوله إلى 32 كيلو مترًا ويضم حارتين، إحداهما ذهابًا والأخرى إيابًا، فإذا بطيران العدو ينفذ أحد التكتيكات المعروفة في العلوم العسكرية، بأن أغلق مدخل ومخرج الممر، ليصبح الممر مصيدة للقوات المسلحة المصرية.

فاستشهد من دخله من قواتنا، بينما واصل الناجون من تلك العملية الانسحاب سيرًا على الأقدام في اتجاه السويس، تحت وابل من قذائف الطائرات الإسرائيلية، حتى وصلنا إلى قناة السويس، لنجد كل الكباري وقد دمرها العدو، لمنع عودة القوات المصرية بأسلحتها من سيناء، فعبرنا إلى الضفة الغربية باستخدام القوارب المطاطية التابعة للمهندسين العسكريين.

وقد كانت تلك ثاني أخطاء القيادة العسكرية حينها، التي حركت القوات دون وضع خطة علمية واضحة للانسحاب إذا ما استلزم الأمر. فاستغرقت تلك الرحلة الحزينة خمسة أيام، ووصلنا إلى قناة السويس في الخامسة من مساء يوم 9 يونيو 1967، فيما أعتبره أسوأ أيام تاريخ مصر الحديث، لنرى العلم الإسرائيلي يرفرف على الضفة الشرقية للقناة، بينما الجيش المصري يتم تدميره في سيناء، والرئيس عبد الناصر يعلن تنحيه عن الحكم.

إلا أنه، في نفس اللحظة، أعلن الشعب المصري رفضه للهزيمة، ورفضه لتنحي عبد الناصر، وتأييده لتعيين الفريق أول محمد فوزي وزيرًا للحربية، ومعه الفريق عبد المنعم رياض رئيسًا للأركان، ليبدأ عهد إعادة بناء الدفاعات على القناة.

ومرت الشهور ونحن نحفر الخنادق، ونزرع الألغام لمنع إسرائيل من عبور القناة والوصول إلى العاصمة، ونتدرب على استخدام الأسلحة الجديدة. وقضيت السنوات الست، عمر حرب الاستنزاف، على الخط الأول للضفة الغربية لقناة السويس، يفصلني عن خط بارليف مسافة 200 متر هي عرض القناة.

وكان المخطط المصري، خلالها، يضع خطته لعبور قناة السويس، التي عُرفت في عهد الرئيس عبد الناصر باسم خطة المآذن العالية، وتطورت إلى الخطة جرانيت في عهد الرئيس السادات.

وخلال حرب الاستنزاف، عانى الشعب المصري العظيم الكثير من المصاعب، منها التهجير من مدن القناة الثلاث بورسعيد والإسماعيلية والسويس، إلا أنه تحملها دعمًا لجيشه وقائده، ليحول هزيمة يونيو 1967 إلى نصر مبين في السادس من أكتوبر عام 1973.

وهنا يجب أن نتذكر أنه خلال ست سنوات من حرب الاستنزاف كان تدريب القوات المسلحة يتم ليلًا ونهارًا على الأسلحة والمعدات الجديدة التي وصلت من الاتحاد السوفيتي ، كذلك التدريب على خطة العبور، حيث تعلمنا الكثير. وعندما أصبحت القوات المسلحة جاهزة للقتال، جاء يوم 6 أكتوبر لاقتحام خط بارليف ونحقق أغلى انتصار للجيش المصري في العصر الحديث.

ليؤكد مجددًا أن مصر لن تُهزم أبدًا، ما دام لها جيش قوي وشعب مساند.

كاتب المقال

اللواء أركان حرب الدكتور سمير سعيد محمود فرج

Email: [email protected]

واحداً من أهم أبناء القوات المسلحة المصرية

ولد في 14 يناير في مدينة بورسعيد، لأب وأم مصريين.

تخرج، سمير فرج، من الكلية الحربية عام 1963.

والتحق بسلاح المشاة، ليتدرج في المناصب العسكرية حتى منصب قائد فرقة مشاة ميكانيكي.

تخرج من كلية أركان حرب المصرية في عام 1973.

والتحق بعدها بكلية كمبرلي الملكية لأركان الحرب بإنجلترا في عام 1974، وهي أكبر الكليات العسكرية في المملكة البريطانية،وواحدة من أكبر الكليات العسكرية على مستوى العالم.

فور تخرجه منها، عُين مدرساً بها، ليكون بذلك أول ضابط يُعين في هذا المنصب، من خارج دول حلف الناتو، والكومنولث البريطاني.

تولى، اللواء أركان حرب الدكتور سمير سعيد محمود فرج، ، العديد من المناصب الرئيسية في القوات المسلحة المصرية، منها هيئة العمليات، وهيئة البحوث العسكرية. وعمل مدرساً في معهد المشاة، ومدرساً بكلية القادة والأركان. كما عين مديراً لمكتب مدير عام المخابرات الحربية ورئاسة إدارة الشئون المعنوية.

تتلمذ على يده العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة، إبان عمله مدرساً في معهد المشاة، ومدرساً في كلية القادة والأركان المصرية.

لم تقتصر حياته العملية، على المناصب العسكرية فحسب، وإنما عمل، سمير فرج، بعد انتهاء خدمته العسكرية، في العديد من المناصب المدنية الحيوية، ومنها وكيل أول وزارة السياحة، ورئيس دار الأوبرا المصرية، ومحافظ الأقصر. ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة NatEnergy.

وله العديد من الكتب والمؤلفات العسكرية، خاصة فيما يخص أساليب القتال في العقيدة الغربية العسكرية. كما أن له عمود أسبوعي، يوم الخميس، في جريدة الأهرام المصرية ومقال أسبوعى يوم السبت فى جريدة المصرى  اليوم.