في جولة صباحية بأحد أحياء المدينة، توقفتُ أمام لافتة زرقاء تحمل اسمًا أثار الدهشة: “شارع شكشوكة”. تساءلت في صمت: من يكون هذا؟ هل هو بطل تاريخي؟ أم عالم جليل؟ أم مجرد اسم عابر تسلل إلى خرائطنا الرسمية بلا معنى ولا دلالة؟
هذا المشهد، وإن بدا طريفًا، ليس استثناءً في مدننا العربية. فبينما تخلد بعض الشوارع أسماء عظيمة مثل “طارق بن زياد” و”صلاح الدين الأيوبي” و”أحمد شوقي”، نصطدم بأسماء أخرى تفتقر إلى القيمة التاريخية أو الثقافية، وتثير الاستغراب أكثر مما تبعث على الفخر.
الشوارع.. ذاكرة المدن الحية
الشوارع ليست مجرد طرق نمر بها، بل هي سجل حي لذاكرة المدن، تروي للأجيال قصص البطولات والإنجازات، وتخلد أسماء من صنعوا الحضارة. فعندما يسير طفل في شارع يحمل اسم “ابن سينا”، فإنه يتعرف—ولو بشكل غير مباشر—على قيمة العلم والعلماء. وحين تمر فتاة بميدان يحمل اسم “الشهداء”، تدرك معنى التضحية والانتماء.
لكن ماذا يتعلم أبناؤنا عندما يقرؤون أسماء بلا معنى أو دلالة؟ ماذا تعكس هذه اللافتات عن حضارتنا أمام زائر أجنبي يتجول في شوارعنا؟
بين أسماء تليق وأخرى عشوائية
لا يمكن إنكار أن بعض المدن العربية نجحت في اختيار أسماء معبرة وذات قيمة، مثل “شارع الجلاء” و”ميدان التحرير” في القاهرة، و”شارع الثورة” و”ساحة الأمويين” في دمشق، و”شارع الحمرا” و”ساحة الشهداء” في بيروت. أسماء ترتبط بالتاريخ والهوية، وتمنح المكان روحًا ومعنى.
في المقابل، تنتشر أسماء عشوائية لم تخضع لتخطيط أو رؤية، وكأنها فُرضت على المدن دون اعتبار لقيمتها أو أثرها المستقبلي، ودون طرح السؤال الأهم: هل تليق بنا هذه الأسماء؟
دعوة لإعادة التقييم
آن الأوان لإعادة النظر في أسماء شوارعنا ومياديننا، من خلال لجان متخصصة تضم مؤرخين ومثقفين ومخططي مدن، تعمل وفق معايير واضحة تضمن اختيار أسماء تعكس تاريخنا وقيمنا.
ويجب أن تُمنح الأولوية لأسماء الأبطال والشهداء، والعلماء والمفكرين، والأدباء والفنانين، وكذلك للأحداث التاريخية المجيدة، والقيم النبيلة مثل الحرية والعدالة والكرامة.
الشوارع مرآة الحضارة
في مدن العالم الكبرى، تحمل أسماء الشوارع دلالات عميقة؛ فباريس تضم “الشانزليزيه” و”ساحة الكونكورد”، ولندن تحتضن “ميدان الطرف الأغر” و”شارع أكسفورد”، بينما تبرز في نيويورك “الجادة الخامسة” و”ساحة التايمز”. كل اسم هناك يروي قصة، ويعكس حضارة.
أما نحن، فلدينا رصيد هائل من الأسماء التي تستحق التخليد: الفارابي، ابن رشد، الخوارزمي، المتنبي، طه حسين، نجيب محفوظ، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ.. وغيرها من الرموز التي شكلت وجدان الأمة.
قد يبدو “شارع شكشوكة” مجرد مثال ساخر، لكنه في الحقيقة مؤشر على خلل أعمق في إدارة هوية المدن. فالشوارع ليست مجرد عناوين، بل كتاب مفتوح يقرأه المواطن يوميًا، ودرس ممتد في التاريخ والانتماء.
إن مدننا تستحق أسماء تليق بها، تعكس مجدها، وتلهم أبناءها. فالحضارات لا تُقاس فقط بإنجازاتها الكبرى، بل أيضًا بتفاصيلها الصغيرة، وأسماء الشوارع أحد أهم هذه التفاصيل التي لا يجب الاستهانة بها.


