آثار ومصرياتبأقلامهم

” سعيد جمال الدين ” يكتب : فى معركة إستعادة الآثار المصرية المنهوية : أين الدولة.. ولماذا تُترك على أكتاف “زاهي حواس ” وحده؟!!

في يوم 13 يونيو، 2026 | بتوقيت 8:11 صباحًا

في الوقت الذي يخوض فيه عالم الآثار المصري الجليل  الدكتور زاهي حواس معركة عالمية من أجل استعادة الآثار المصرية التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة أو في ظروف تفتقر إلى العدالة والشفافية، يبرز سؤال مؤلم ومشروع: أين الدولة المصرية من هذه المعركة؟

فالرجل لا يدافع عن قضية شخصية، ولا يسعى إلى تحقيق مجد فردي جديد يضاف إلى تاريخه المهني الحافل، بل يقود معركة وطنية تتعلق بحق مصر في استعادة أجزاء من هويتها وتاريخها وحضارتها الممتدة لآلاف السنين. ومع ذلك، تبدو الجهود الرسمية المبذولة حتى الآن أقل كثيرًا من حجم القضية وأهميتها.

لقد أكدت المواثيق  والقوانين الأعراف الدولية والحضارية، وفي مقدمتها اتفاقيات اليونسكو، حق الدول في المطالبة باسترداد تراثها الثقافي الذي خرج بطرق غير مشروعة.

كما نجحت دول عديدة في استعادة كنوزها التاريخية عبر العمل القانوني والدبلوماسي والإعلامي المنظم.

فلماذا لا تتحول قضية استعادة الآثار المصرية إلى مشروع وطني تتبناه الدولة بكامل مؤسساتها؟

ثلاثة كنوز مصرية في صدارة المعركة

يركز الدكتور زاهي حواس في حملته الدولية الحالية على استعادة ثلاث من أهم وأشهر القطع الأثرية المصرية الموجودة خارج البلاد.

أول هذه الكنوز رأس الملكة نفرتيتي، أيقونة الجمال الخالدة، الموجودة حاليًا في ألمانيا، والتي تمثل واحدة من أشهر القطع الأثرية في العالم، بينما تؤكد مصر أن خروجها تم في ظروف تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مشروعية نقلها إلى الخارج.

وثانيها حجر رشيد الموجود بالمتحف البريطاني في لندن، وهو الحجر الذي مكن العالم من فك رموز اللغة المصرية القديمة، وفتح أبواب علم المصريات الحديث، ليصبح أحد أهم الاكتشافات الأثرية في التاريخ الإنساني.

أما القطعة الثالثة فهي دائرة البروج الشهيرة أو سقف معبد دندرة المعروض بمتحف اللوفر الفرنسي، والذي يمثل تحفة فلكية نادرة وشاهدًا على التقدم العلمي المذهل للمصريين القدماء.

إن المطالبة بعودة هذه الكنوز الثلاثة ليست مجرد مطالبة بقطع أثرية، بل هي مطالبة باستعادة رموز من الهوية المصرية نفسها.

من لندن بدأت الرسالة… فهل تجد صدى في القاهرة؟

قبل أسابيع، لم يكتفِ الدكتور زاهي حواس بإطلاق تصريحات إعلامية أو كتابة بيانات صحفية للمطالبة باستعادة الآثار المصرية، بل ذهب إلى قلب المعركة نفسها، ووقف داخل المتحف البريطاني في لندن أمام الفاترينة الزجاجية التي تحتضن حجر رشيد، موجهاً رسالة مباشرة إلى العالم أجمع.

هناك أكد حواس أن مصر لا تطالب بكل ما هو مصري موجود في المتاحف الأجنبية، وإنما تركز في هذه المرحلة على ثلاث أيقونات حضارية تمثل رموزاً استثنائية للتراث المصري، في مقدمتها حجر رشيد الذي وصفه بأنه يجب أن يعود إلى موطنه الطبيعي داخل المتحف المصري الكبير، إلى جانب رأس نفرتيتي في برلين ودائرة دندرة الشهيرة في باريس.

الدكتور زاهى حواس بالمتحف البريطانى أمام حجر رشيد
الدكتور زاهى حواس بالمتحف البريطانى أمام حجر رشيد

ولم يتوقف الأمر عند حدود التصريحات، بل أطلق حملة دولية تستهدف جمع مليون توقيع دعماً لهذا المطلب الحضاري، في محاولة لتحويل القضية من مطلب أثري إلى قضية رأي عام عالمي.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كان عالم آثار مصري يتحرك في لندن وبرلين وباريس لحشد التأييد الدولي لعودة آثار مصر، فلماذا لا تتحرك مؤسسات الدولة المصرية بالزخم نفسه لدعم هذه الحملة والترويج لها على منصاتها الرسمية في الداخل والخارج؟

إن قوة المبادرة التي يقودها زاهي حواس لا تكمن فقط في عدالة مطالبها، بل في أنها تمثل فرصة نادرة لحشد تأييد دولي واسع لقضية مصرية عادلة. ولذلك فإن نجاحها لا يجب أن يظل مرهوناً بجهود فردية مهما كانت مكانة صاحبها،

وإنما ينبغي أن يتحول إلى مشروع وطني تشارك فيه مؤسسات الدولة كافة، باعتباره دفاعاً عن ذاكرة مصر وتاريخها وحقها المشروع في استعادة بعضٍ من أهم كنوزها الحضارية.

مليون توقيع… وأين الدولة؟

من غير المنطقي أن يُطلب جمع مليون توقيع لدعم استعادة الآثار المصرية، بينما تقف دولة يزيد عدد سكانها على مائة مليون نسمة عاجزة عن الوصول إلى هذا الرقم.

الحقيقة أن المشكلة ليست في المواطنين، بل في غياب التعبئة الرسمية والإعلامية اللازمة لتحويل هذه القضية إلى قضية رأي عام وطني وعالمي.

ما يثير الدهشة أن البعض يتعامل مع المطالبة بالآثار المصرية وكأنها عبء دبلوماسي، أو كأن مجرد المطالبة بالحق قد تُغضب بعض الدول التي تحتفظ بهذه الآثار.

والحقيقة أن الدفاع عن الحقوق التاريخية والحضارية لا يمثل عداءً لأحد، بل هو حق أصيل تمارسه جميع الأمم التي تحترم تاريخها وتراثها.

مسئولية وطنية لا تخص حواس وحده

إن دعم حملة استعادة الآثار يجب ألا يقتصر على المبادرات الفردية مهما بلغت أهميتها، بل يجب أن يتحول إلى تحرك مؤسسي واسع النطاق.

فوزارة السياحة والآثار مطالبة بأن تجعل هذه القضية جزءًا أساسيًا من رسالتها الدولية، من خلال الترويج للحملة عبر منصاتها الرسمية، وإتاحة رابط التوقيع الإلكتروني على مواقعها وصفحاتها الرسمية، وتعريف السائحين والزائرين بها خلال المعارض والملتقيات السياحية الدولية بهذه الحملة.

جهود قائمة… لكنها تحتاج إلى زخم أكبر

من الإنصاف التأكيد على أن الدولة المصرية لم تغب عن ملف استرداد الآثار المهربة إلى الخارج، فقد أولت هذا الملف اهتمامًا كبيرًا على مدار السنوات الماضية، وأنشأت في أبريل 2002 الإدارة العامة للآثار المستردة، لتتولى رصد وتتبع القطع الأثرية المسروقة أو المهربة خارج البلاد والعمل على استعادتها بكافة الوسائل القانونية والدبلوماسية، وذلك وفقًا لأحكام قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983.

ونجحت هذه الإدارة، بالتعاون مع وزارة الخارجية والجهات المعنية، في استعادة آلاف القطع الأثرية من مختلف دول العالم، وهو ما يؤكد أن الدولة تمتلك الخبرة والآليات القانونية اللازمة لخوض معارك الاسترداد وتحقيق نتائج ملموسة.

أين الدعم للحملة؟!!

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت الدولة تمتلك جهازًا متخصصًا لهذا الغرض، فلماذا لا نرى حتى الآن دعمًا رسميًا واضحًا للحملة الدولية التي يقودها الدكتور زاهي حواس لاستعادة رأس نفرتيتي وحجر رشيد ودائرة دندرة؟

ولماذا لم تُخصص صفحات الإدارة العامة للآثار المستردة أو الجهات المعنية بالوزارة مساحة للتعريف بالحملة، أو نشر رابط التسجيل والتوقيع الداعم لها عبر منصاتها الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي، بما يتيح للمصريين وعشاق الحضارة المصرية حول العالم المشاركة فيها؟

التوظيف الصحيح !!

إن المطلوب ليس إنشاء آليات جديدة أو تحمل أعباء إضافية، وإنما توظيف الأدوات والمنصات القائمة بالفعل لدعم قضية تتوافق بشكل كامل مع الأهداف التي أنشئت من أجلها الإدارة العامة للآثار المستردة منذ أكثر من عقدين.

فكل توقيع جديد على الحملة يمثل رسالة دعم للحق المصري، وكل مشاركة رسمية تمنح القضية زخمًا أكبر أمام الرأي العام العالمي، وتؤكد أن استعادة آثار مصر ليست مطلب أفراد، مهما كانت مكانتهم وقيمتهم العلمية، وإنما هدف وطني تتبناه الدولة والمجتمع معًا.

المشاركة الإيجابية

كما أن الهيئة العامة للاستعلامات مطالبة بتنظيم مؤتمر صحفي عالمي بحضور الدكتور زاهي حواس ووزير السياحة والآثار، ودعوة المراسلين الأجانب المعتمدين في مصر، لإطلاق رسالة واضحة إلى العالم بأن مصر تتمسك بحقها المشروع في استعادة تراثها الحضاري.

أما وزارة الخارجية، فيمكنها أن تلعب دورًا محوريًا عبر السفارات والقنصليات المصرية بالخارج، من خلال التواصل مع الجاليات المصرية والأصدقاء الأجانب وعشاق الحضارة المصرية، وتشجيعهم على الانضمام إلى الحملة والتوقيع على استماراتها.

كما تمتلك وزارة الشباب والرياضة آلاف الأندية ومراكز الشباب التي يمكن أن تتحول إلى منصات توعية بحقوق مصر التاريخية، بينما يقع على عاتق وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للإعلام ، والهيئة الوطنية للصحافة دور لا يقل أهمية في دعم هذه القضية الوطنية.

معركة مصر كلها

الآثار التي ينادي الدكتور زاهي حواس بعودتها لن توضع في متحف خاص باسمه، ولن تعود بالنفع على شخص أو مؤسسة بعينها، وإنما ستعود إلى مصر لتُعرض في متاحفها الوطنية، وفي مقدمتها المتحف المصري الكبير، لتصبح مصدر فخر للأجيال الحالية والقادمة، وعنصرًا جديدًا من عناصر القوة الناعمة المصرية.

إن القضية لا تخص زاهي حواس وحده، ولا تخص علماء الآثار فقط، بل تخص كل مصري يؤمن بأن الحضارة المصرية ليست سلعة تُعرض خلف واجهات المتاحف الأجنبية، وإنما جزء من ذاكرة أمة وتاريخ شعب.

لقد آن الأوان لأن تتحول معركة استعادة الآثار المصرية من جهد فردي مخلص إلى مشروع دولة، ومن حملة يقودها عالم آثار وطني إلى قضية وطنية تتبناها مصر كلها.

فالأمم العظيمة لا تكتفي بالفخر بتاريخها… بل تدافع عنه وتستعيده ..والتاريخ لن يرحم المتقاعسين!!

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ..وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.. وعلى الله العلى القدير قصد السبيل 

كاتب المقال

سعيد جمال الدين 

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير لبوابة المحروسة الإخبارية ” المحروسة نيوز ”

عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين

مؤسس شعبة الصحافة السياحية بنقابة الصحفيين

عضو جمعية الكتاب السياحيين المصريين

عضو جمعية كتاب البيئة والتنمية

الأمين العام للمنتدى العالمى للسياحة والبيئة

الأمين العام لصالون الرواد الثقافى بنقابة الصحفيين

للمزيد مقالات الكاتب  أدخل على هذا الرابط