منوعات

بعد 58 عاماً.. ما زالت أصداء زيارة أم كلثوم و صوتها وغناؤها للأطلال حاضر فى الوجدان التونسى

أم كلثوم في تونس 1968.. عشرة أيام صنعت ملحمة فنية خالدة وأعادت "الأطلال" إلى ذاكرة العرب

في يوم 30 مايو، 2026 | بتوقيت 10:00 مساءً
  • استقبال أسطوري لكوكب الشرق في مطار تونس بحضور مئات الصحفيين

  • الحبيب بورقيبة وزوجته في مقدمة مستقبلي أم كلثوم بقصر قرطاج

  • «الأطلال» و«فكروني» تشعلان قصر الرياضة بالمنزه وسط حضور جماهيري غير مسبوق

  • زيارة تاريخية جسدت عمق العلاقات الثقافية بين مصر وتون

تونس  إعداد وتوثيق : أسامة الراعي

 

في مثل هذا اليوم، 30 مايو 1968، شهدت تونس واحدة من أبرز المحطات الفنية والثقافية في تاريخها الحديث، حين حلت كوكب الشرق أم كلثوم ضيفة على البلاد في زيارة تاريخية استمرت عشرة أيام، تركت خلالها بصمة لا تزال راسخة في الذاكرة الجماعية للشعب التونسي.

وأحيت أم كلثوم خلال الزيارة حفلين ضخمين بقصر الرياضة بالمنزه يومي الأول والثالث من يونيو 1968، وسط حضور جماهيري كثيف واهتمام إعلامي وثقافي غير مسبوق، لتتحول الزيارة إلى حدث عربي كبير تجاوز حدود الفن والطرب.

استقبال استثنائي منذ لحظة الوصول

وثقت التلفزة التونسية تفاصيل الرحلة التاريخية في شريط نادر أهدته التلفزة المصرية إلى نظيرتها التونسية عقب وفاة أم كلثوم عام 1975. وقدمت المذيعة الشهيرة نجوى إبراهيم وصفاً دقيقاً لأجواء الاستقبال، مؤكدة أن الفنانة الكبيرة تلقت برقية ترحيب فور دخول طائرتها الأجواء التونسية، حملت مشاعر الحب والتقدير من الجماهير التونسية المنتظرة لسماع صوتها.

وكانت الجماهير قد احتشدت في مطار تونس منذ ساعات الظهيرة، رغم أن موعد وصول الطائرة كان في الرابعة والنصف عصراً، فيما توافد أكثر من 250 صحفياً ومراسلاً من مختلف أنحاء العالم لتغطية الحدث، الأمر الذي دفع المسؤولين التونسيين إلى وصف المشهد بأنه أكبر تجمع إعلامي شهده المطار آنذاك.

ومع ظهور أم كلثوم على سلم الطائرة، تدافعت الجماهير لاستقبالها، حتى استغرقت نحو ساعة كاملة لقطع المسافة القصيرة الفاصلة بين الطائرة وقاعة التشريفات، في مشهد عكس حجم المكانة التي كانت تحتلها في قلوب العرب.

استعدادات ضخمة لحفلي المنزه

وقبل وصول كوكب الشرق، شهد قصر الرياضة بالمنزه استعدادات مكثفة لاستقبال الحدث الفني الكبير، حيث تم تجهيز جناح خاص لها خلال 48 ساعة فقط، يضم حماماً خاصاً وصالوناً للاستراحة، مع تطوير أنظمة الإضاءة والصوت وتخصيص 14 غرفة للإذاعات ومراسلي الصحف.

كما جرى إعداد أكثر من ألف زهرة قرنفل لاستقبال الفنانة المصرية التي كانت تمثل آنذاك رمزاً فنياً وثقافياً للعالم العربي.

بورقيبة يستقبل أم كلثوم في قصر قرطاج

لم تقتصر الزيارة على الحفلات الغنائية، بل حظيت أم كلثوم باستقبال رسمي رفيع المستوى، حيث استقبلها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة وزوجته وسيلة بورقيبة في قصر قرطاج.

كما شاركت في عدد من الفعاليات الثقافية والاجتماعية، وزارت مؤسسات وجمعيات خيرية، واطلعت على تجربة المرأة التونسية بدعوة من الاتحاد النسائي التونسي، إلى جانب جولات في عدد من المناطق الأثرية والسياحية داخل البلاد.

«اتصرفي فينا كيف ما تحبي».. لحظة خالدة في حفل الأطلال

ومن بين المشاهد التي ظلت محفورة في ذاكرة التونسيين، تلك اللحظة الاستثنائية خلال أداء أم كلثوم لأغنية الأطلال، عندما أعادت مقطع “هل رأى الحب سكارى” أكثر من مرة استجابة لتفاعل الجمهور، ليصدح صوت من داخل القاعة قائلاً باللهجة التونسية: “اتصرفي فينا كيف ما تحبي”، في تعبير عفوي عن حالة العشق الجماعي التي صنعتها كوكب الشرق.

كما لاقت أغنية فكروني تفاعلاً استثنائياً، حيث وصف أحد معلقي التلفزة التونسية المشهد قائلاً إن الجمهور بدا وكأنه “سكران من الهوى الكلثومي”، في إشارة إلى التأثير الساحر لصوتها على الحاضرين.

جسر ثقافي بين مصر وتونس

مثّلت زيارة أم كلثوم إلى تونس عام 1968 أكثر من مجرد حدث فني؛ فقد كانت تجسيداً حقيقياً لعمق العلاقات التاريخية والثقافية بين مصر وتونس، ورسالة تؤكد قدرة الفن على توحيد الشعوب وتعزيز روابط المحبة والتقارب بين أبناء الأمة العربية.

وبعد مرور نحو 58 عاماً على تلك الزيارة، لا تزال أصداء صوت كوكب الشرق تتردد في الوجدان التونسي والعربي، شاهدة على عظمة فنانة استثنائية تجاوزت حدود الزمان والمكان، وتركت إرثاً فنياً وإنسانياً خالداً لا يزال حاضراً في ذاكرة الأجيال.