آثار ومصرياتبأقلامهم

” الدكتور منصور بريك ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” : تطوير نزلة السمان فرصة تاريخية لإحياء كنوز هضبة الأهرامات المدفونة

في يوم 25 مايو، 2026 | بتوقيت 5:00 مساءً

تُعد منطقة نزلة السمان واحدة من أكثر المناطق حساسية وأهمية على خريطة الآثار المصرية، إذ تقع في أحضان أعظم منطقة أثرية عرفها التاريخ الإنساني، وهي منطقة أهرامات الجيزة، كما أنها تخفي أسفل مبانيها الحالية العديد من الشواهد والمعالم الأثرية المرتبطة بعصر الدولة القديمة وملوك بناة الأهرامات.

وفي ضوء زيارة مصطفى مدبولي الأخيرة للمنطقة لإطلاق مشروع تطوير نزلة السمان، يؤكد العالم الكبير الدكتور منصور بريك، رئيس الإدارة المركزية لآثار القاهرة والجيزة الأسبق وخبير الآثار في حكومة دبي، أن المشروع يمثل فرصة تاريخية لإعادة إحياء جزء مهم من التراث المصري القديم والكشف عن معالم أثرية طال اختفاؤها أسفل الكتل السكنية والعشوائيات.

سنوات من أعمال التنقيب والدراسة

ويشير الدكتور منصور بريك، الذي قاد وأشرف على أعمال تنقيب بمنطقة نزلة السمان لعدة سنوات، إلى أن الهدف من تلك الأعمال لم يكن فقط الكشف الأثري، بل أيضًا تقديم رؤية علمية وتحليلية ونقدية متكاملة تتماشى مع مشروعات الدولة التطويرية، للوصول إلى أفضل تصور يحافظ على القيمة الأثرية والحضارية للمنطقة.

ويؤكد أن نزلة السمان ليست مجرد منطقة سكنية مجاورة للأهرامات، بل تقع فوق امتداد أثري بالغ الأهمية، يضم أجزاءً من الطريق الصاعد ومعبد الوادي الخاص بالملك خوفو، إلى جانب بقايا المدينة الهرمية والمنشآت المرتبطة بإدارة المشروع الجنائزي لأهرامات الجيزة.

هيرودوت ووصف الطريق الصاعد

ويستشهد الدكتور منصور بريك بما ذكره “أبو التاريخ” هيرودوت خلال زيارته لمصر في القرن الخامس قبل الميلاد، وتحديدًا أثناء فترة الاحتلال الفارسي لمصر، حيث وصف الطريق الصاعد ومعبد الوادي الخاص بهرم خوفو بأنهما لا يقلان جمالًا وروعة عن الهرم نفسه.

كما أشار هيرودوت إلى أن إنشاء الطريق الصاعد استغرق نحو عشر سنوات، وأنه كان يضم نفقين لعبور المشاة أسفله، وهو ما أثبتته الاكتشافات الأثرية الحديثة، بعد العثور على أحد تلك الأنفاق أعلى الهضبة، ثم الكشف لاحقًا عن النفق الثاني خلال أعمال التنقيب الحديثة.

ويضيف بريك أن ملوك الدولة الوسطى أعادوا استخدام أحجار الطريق الصاعد في بناء أهراماتهم، حيث تم العثور على بقايا من تلك الكتل الحجرية في منطقة الليشت، بينما اختفى الجزء الأكبر من الطريق ومعبد الوادي أسفل مباني نزلة السمان الحالية.

الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء خلال زيارته لمنطقة نزلة السمان
الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء خلال زيارته لمنطقة نزلة السمان
منطقة نزلة السمان
منطقة نزلة السمان

مشروع الصرف الصحي عام 1991.. نقطة التحول الكبرى

ويصف الدكتور منصور بريك مشروع الصرف الصحي الذي نُفذ عام 1991 بأنه كان بمثابة “فرصة ذهبية” لإعادة الكشف عن آثار نزلة السمان، حيث سمحت أعمال الحفر العميقة الخاصة بمسارات المواسير ومحطات الرفع بإجراء حفائر أثرية علمية قبل التنفيذ.

وخلال تلك الأعمال، تمكنت فرق الآثار لأول مرة من تحديد مسار الطريق الصاعد الخاص بالمجموعة الهرمية للملك خوفو، ليتبين أنه شُيد باستخدام كتل ضخمة من الحجر الجيري جُلبت من محاجر أبو رواش شمال الهضبة ومحاجر طرة، كما اتضح أن الطريق لم يكن يسير في خط مستقيم نحو الشرق، بل كان ينحرف بزاوية 45 درجة نحو الشمال الشرقي حتى يصل إلى أسفل الهضبة.

الكشف عن معبد الوادي والمدينة الهرمية

ويوضح بريك أن أعمال الحفر أسفرت كذلك عن الكشف عن أجزاء من معبد الوادي، حيث تبين أن أرضيته كانت مشيدة بكتل من حجر البازلت تم جلبها من محاجر الفيوم، ويقع المعبد إلى الغرب مباشرة من طريق أبو الهول السياحي.

كما كشفت الحفائر عن بقايا المدينة الهرمية، وهي مدينة شُيدت بالطوب اللبن وكسرات الحجر، وتقع إلى الجنوب من الطريق الصاعد، وعُثر بها على كميات كبيرة من الأواني الفخارية والحجرية، إلى جانب الكشف عن بقايا يُرجح أنها تخص القصر الملكي للملك خوفو جنوب معبد الوادي مباشرة.

منطقة سن العجوز.. اكتشافات مهمة توقفت قبل استكمالها

ويشير الدكتور منصور بريك إلى أن إزالة منطقة سن العجوز العشوائية، الواقعة شرق السور الأمني لمنطقة الهرم، قبل نحو أربع سنوات، أتاحت الفرصة لإجراء حفائر جديدة فوق امتداد الطريق الصاعد للملك خوفو.

وقد أسفرت تلك الأعمال عن الكشف عن جزء كبير من الطريق الصاعد، واتضح أنه مشيد بأكثر من أربعة مداميك من كتل الحجر الجيري الضخمة، كما تم العثور على النفق الثاني الذي سبق أن تحدث عنه هيرودوت في كتاباته.

لكن، بحسب بريك، توقفت أعمال التنقيب قبل استكمال الكشف الكامل عن المنطقة، رغم ما تحمله من قيمة أثرية وتاريخية استثنائية.

تطوير نزلة السمان.. إحياء للمنطقة الأثرية

ويؤكد الدكتور منصور بريك أن مشروع تطوير نزلة السمان، الذي أعلن عنه رئيس الوزراء، يمثل بداية حقيقية لإحياء المنطقة الأثرية المحيطة بالأهرامات، خاصة مع إمكانية استكمال الكشف عن الطريق الصاعد ومعبد الوادي للملك خوفو، صاحب الهرم الأكبر، إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة والوحيدة الباقية حتى اليوم.

كما يرى أن المشروع يتيح استغلال المنطقة بشكل حضاري عبر إنشاء فنادق وخدمات سياحية متطورة تتناسب مع القيمة العالمية للموقع، مع ضرورة إزالة التعديات الواقعة شمال تمثال أبو الهول، نظرًا لأنها تمثل امتدادًا للجبانة التي تضم المقابر الصخرية لكبار رجال الدولة في عصر بناة الأهرامات.

ويكشف بريك عن واقعة خطيرة شهدتها المنطقة منذ سنوات، حين قام بعض الأشخاص بالحفر خلسة داخل أحد المنازل، وتمكنوا من الوصول إلى مقبرة أثرية قبل أن تنهار الرمال فوقهم، ما أسفر عن وفاة ستة أشخاص، في دليل واضح على ثراء المنطقة بالكنوز الأثرية المدفونة.

رؤية مستقبلية

ويختتم الدكتور منصور بريك مقاله بالتأكيد على أن مشروع تطوير نزلة السمان لن يقتصر فقط على تحسين المشهد الحضاري، بل سيمثل خطوة فارقة في إعادة اكتشاف أجزاء مهمة من تاريخ مصر القديمة، وإضافة معالم أثرية جديدة إلى منطقة الأهرامات، كانت مدفونة لسنوات طويلة أسفل منازل المنطقة.