سياحة وسفر

مشاركة “تنشيط السياحة” في معرض الجزائر.. قرارات مرتبكة وإنفاق يثير شبهات إهدار المال العام

وفد موسّع في سوق مقيد.. وخبراء: التسويق الذكي أولى من الظهور الشكلي

في يوم 4 مايو، 2026 | بتوقيت 1:43 صباحًا

لم يعد مقبولًا في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية أن تُدار ملفات الترويج السياحي بعقلية تقليدية تفتقر إلى حسابات العائد والكفاءة.

فبينما تُشدد الدولة على ترشيد الإنفاق ووقف الهدر، تبرز بعض التحركات الرسمية وكأنها تسير في اتجاه معاكس، تعيد إنتاج نفس الأدوات القديمة دون تقييم حقيقي لجدواها.

وتُعد مشاركة هيئة تنشيط السياحة المصرية في معرض سياحي إقليمي محدود التأثير بالجزائر نموذجًا صارخًا لهذا الخلل، حيث يتضخم حجم التمثيل الرسمي وتتصاعد تكاليف المشاركة، في مقابل عائد متواضع – إن وُجد من الأساس – داخل سوق يعاني أصلًا من قيود تنظيمية تحد من حركة السفر إلى مصر.

الأمر لم يعد مجرد قرار تنظيمي قابل للاجتهاد، بل يطرح تساؤلات مباشرة حول كفاءة إدارة الموارد، ومدى التزام بعض الجهات بالسياسات العامة للدولة، خاصة عندما يتحول الترويج السياحي من أداة لجذب العملة الصعبة إلى باب إنفاق يصعب تبريره.

 معرض إقليمي بجدوى محدودة

تُقام فعاليات الصالون الدولي للسياحة والأسفار (SITEV 2026) خلال الفترة من 18 إلى 21 مايو بالعاصمة الجزائرية، بمشاركة نحو 25 دولة و250 عارضًا، ورغم ذلك، لا يُصنف المعرض ضمن الفعاليات الدولية الكبرى ذات التأثير المباشر على حركة السياحة العالمية.

ويرى مراقبون أن المشاركة المصرية بهذا الحجم في حدث محدود التأثير تفتقر إلى قراءة دقيقة لخريطة المعارض الدولية، التي تتطلب توجيه الموارد نحو المنصات الأكثر قدرة على تحقيق عائد فعلي.

الصالون الدولي للسياحة والأسفار (SITEV 2026) بالجزائر
الصالون الدولي للسياحة والأسفار (SITEV 2026) بالجزائر

سوق مقيد.. ومعادلة غير منطقية

تزداد حدة الانتقادات بالنظر إلى طبيعة السوق الجزائري نفسه، والذي لا يزال يواجه قيودًا وإجراءات أمنية وتنظيمية قبل سفر مواطنيه إلى مصر، ما يضعف من فرص تحقيق نمو ملموس في أعداد السائحين.

وفي هذا الإطار، يؤكد خبراء أن المنطق الاقتصادي يفرض معالجة المعوقات أولًا، بدلًا من الإنفاق على الترويج داخل سوق غير مُهيأ، مشيرين إلى أن أي استراتيجية ناجحة تبدأ بتسهيل حركة السفر قبل التوسع في الحملات الترويجية.

وفد موسّع.. وتكلفة بلا مبرر

الجدل الأكبر جاء مع مشاركة وفد يضم نحو 7 ممثلين من الهيئة، إلى جانب قيادات ومسئولين، وهو ما اعتُبر خروجًا واضحًا عن توجهات الدولة بالاكتفاء بالحد الأدنى من التمثيل الخارجي.

وتتجاوز تكلفة المشاركة مجرد حجز جناح داخل المعرض، لتشمل تذاكر السفر والإقامة والبدلات والمصروفات التشغيلية، وهو ما يرفع حجم الإنفاق إلى مستويات تثير تساؤلات جدية حول جدواه، خاصة في ظل غياب مؤشرات واضحة على العائد المتوقع.

بدائل أكثر كفاءة.. لكن غائبة

في المقابل، يؤكد متخصصون أن نفس المخصصات المالية كان يمكن أن تحقق نتائج أفضل إذا تم توجيهها نحو أدوات تسويق حديثة، مثل الحملات الرقمية الموجهة داخل الجزائر، أو التعاقد مع شركات دعاية وإعلان دولية تمتلك خبرة بالسوق.

كما أن الاستثمار في تحليل سلوك السائح الجزائري، وتطوير برامج سياحية تناسب احتياجاته، كان سيُعد خطوة أكثر احترافية من الاكتفاء بالمشاركة التقليدية في معرض محدود التأثير.

وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة المصرية

غياب المعايير.. وتناقض القرارات

ويطرح هذا الملف تساؤلات أوسع حول آليات اتخاذ القرار داخل هيئة تنشيط السياحة، في ظل غياب معايير واضحة لقياس العائد من المشاركات الخارجية.

ويزيد من حدة الجدل أن الهيئة سبق وأن امتنعت عن المشاركة في دورات سابقة من نفس المعرض بدعوى محدودية تأثيره، ما يكشف عن حالة من التذبذب في السياسات، وغياب رؤية مستقرة للترويج السياحي.

إعادة ترتيب الأولويات

يرى خبراء أن المرحلة الحالية تفرض إعادة صياغة استراتيجية الترويج السياحي، بحيث تعتمد على:

  • توجيه الإنفاق نحو الأسواق الأعلى عائدًا
  • تقليص الوفود الرسمية والالتزام بالحد الأدنى
  • الاعتماد على التسويق الرقمي وتحليل البيانات
  • التنسيق لتسهيل إجراءات السفر قبل الترويج

مؤكدين أن نجاح أي خطة ترويجية لم يعد يقاس بعدد المشاركات، بل بحجم العائد الحقيقي منها.

في النهاية، لم تعد القضية مرتبطة بمعرض بعينه، بل بنهج كامل يحتاج إلى مراجعة جادة. فبين ضرورات ترشيد الإنفاق، ومتطلبات التنافس في سوق سياحي عالمي شديد التعقيد، يصبح من الضروري إعادة النظر في كيفية إدارة ملف الترويج السياحي، قبل أن يتحول إلى عبء مالي بدلًا من كونه أداة لدعم الاقتصاد الوطني.

سعيد جمال الدين