يبدو أن قرار غلق المحال في تمام الساعة التاسعة مساءً، في إطار إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة، ستكون له تداعيات سلبية على القطاع السياحي في مصر، وهو ما يستوجب إعادة النظر في آليات تطبيقه، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة هذا القطاع الحيوي وحساسيته.
أول ما يلفت الانتباه هو التأثير المباشر على الصورة الذهنية للعاصمة القاهرة، التي قد تبدو – في ظل هذا القرار – كمدينة خالية أو “أشبه بالأشباح” في وقت مبكر من المساء، وهو ما قد يثير لدى السائح شعورًا بالارتباك وعدم الأمان. فالقاهرة لطالما عُرفت عالميًا بأنها “المدينة التي لا تنام”، بما تضمه من شوارع نابضة بالحياة، وميادين حيوية، وآثار إسلامية فريدة، وهو ما يمثل جزءًا أصيلًا من جاذبيتها السياحية. ومن غير الحكمة أن تظهر بهذه الصورة التي قد تتناقلها وسائل الإعلام العالمية بشكل سلبي.
كما أن القرار، في تقديري، لم يضع في الاعتبار أن السياحة لا تقتصر فقط على الآثار أو الشواطئ أو المتاحف، بل تشمل أيضًا أنماطًا أخرى لا تقل أهمية، وعلى رأسها السياحة العربية، التي تعتمد بشكل كبير على الأنشطة الليلية، مثل المطاعم، والمولات، والمناطق الترفيهية، والتي تُعد عنصر جذب رئيسي للأشقاء العرب.
ومن خلال متابعة الأيام الأولى لتطبيق القرار، برزت بعض المشاهد المقلقة، مثل حالات الكر والفر بين أصحاب المحال وجهات التنفيذ، في مشهد قد يبدو صادمًا أو غير مألوف، خاصة للزائر الأجنبي، وهو ما قد يترك انطباعًا سلبيًا عن بيئة العمل والاستقرار.
ولا يمكن إغفال أن مثل هذه الإجراءات، إذا لم تُدار بحساسية، قد تفتح الباب أمام تداعيات غير مقصودة، سواء على مستوى الشعور العام بالأمان أو على الصورة الذهنية للدولة، خاصة في ظل وجود تحذيرات سفر من بعض الدول تجاه المنطقة، وهو ما يتطلب مزيدًا من الحذر في اتخاذ القرارات ذات التأثير المباشر على السياحة.
كما أن توقيت القرار يثير تساؤلات، إذ يتزامن مع فترة تشهد استعدادات عالمية للاحتفال بـ عيد القيامة، والتي تمتد فعالياته حتى منتصف أبريل، وهي فترة يُتوقع خلالها تدفق سياحة دينية، خاصة في ظل تراجع حركة الزيارة إلى بعض المقاصد التقليدية في المنطقة. وهو ما كان يمكن أن يمثل فرصة مهمة لمصر لتعزيز مكانتها كوجهة سياحية بديلة.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أهمية جهود الدولة في ترشيد استهلاك الطاقة، وهو هدف ضروري في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، إلا أن تحقيقه لا ينبغي أن يأتي على حساب قطاع حيوي مثل السياحة، الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي.
من هنا، فإن المطلوب هو البحث عن حلول متوازنة، تحقق هدف ترشيد الطاقة دون التأثير سلبًا على النشاط السياحي، سواء من خلال استثناءات مدروسة، أو تطبيق مرن يراعي طبيعة كل نشاط.
في النهاية، يظل الأمل معقودًا على مراجعة هذا القرار أو إعادة صياغته بما يحقق المصلحة العامة، ويحافظ في الوقت ذاته على صورة مصر كوجهة سياحية آمنة وجاذبة.
حفظ الله مصر، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار.



