في أجواء رمضانية اتسمت بالدفء والحوار الثقافي الراقي، استضافت جمعية الكُتاب السياحيين برئاسة الكاتب الصحفي صلاح عطية، رئيس مجلس إدارة الجمعية ، الأثري الدكتور مصطفى وزيري الأمين العام الأسبق لـ المجلس الأعلى للآثار، وذلك خلال حفل سحور أقيم بمقر الجمعية التاريخي بعمارة الإيموبيليا في وسط القاهرة.
وشهدت الأمسية حضور عدد كبير من أعضاء الجمعية العمومية من الكُتاب والصحفيين المتخصصين في الشأن السياحي والأثري، حيث دار حوار مفتوح اتسم بالحيوية والثراء الفكري، تناول العديد من القضايا المرتبطة بالاكتشافات الأثرية ودورها في دعم السياحة المصرية، إلى جانب سبل الحفاظ على التراث الحضاري، ونشر الوعي الأثري، والتحديات التي تواجه بعض المناطق التاريخية.
وتحول اللقاء إلى جلسة نقاشية ثرية أجاب خلالها الدكتور مصطفى وزيري عن تساؤلات الحضور، مستعرضًا خبراته الطويلة في العمل الأثري ومشاركاته في العديد من الاكتشافات المهمة التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية.


مصر ما زالت تخبئ آلاف الكنوز الأثرية
أكد الدكتور مصطفى وزيري أن مصر لا تزال تمتلك كنوزًا أثرية هائلة لم يتم الكشف عنها بعد، مشيرًا إلى أن نسبة كبيرة من آثار مصر ما زالت مدفونة تحت الرمال.
وقال: “ما تم اكتشافه من آثار في مصر حتى الآن يمثل جزءًا محدودًا من الكنوز التي تخبئها الأرض المصرية، وما زال أمام علماء الآثار الكثير من العمل للكشف عن أسرار حضارة تمتد لآلاف السنين.”
وأوضح أن الاكتشافات الأثرية التي تعلنها مصر بين الحين والآخر تحظى باهتمام عالمي واسع، وهو ما يعكس المكانة الفريدة للحضارة المصرية في وجدان العالم.

الاكتشافات الأثرية دعاية سياحية عالمية
وأشار وزيري إلى أن الإعلان عن الاكتشافات الأثرية يمثل أحد أهم أدوات الترويج السياحي لمصر على مستوى العالم.
وقال: “كل كشف أثري تعلنه مصر يتحول إلى حدث عالمي تتناقله وسائل الإعلام الدولية، وهو ما يمثل دعاية سياحية كبيرة لمصر.”
وأضاف أن العديد من الاكتشافات التي شهدتها مناطق مثل الأقصر ومنطقة سقارة خلال السنوات الأخيرة لاقت صدى عالميًا واسعًا وأسهمت في جذب المزيد من السائحين المهتمين بالحضارة المصرية.
كما أشار إلى أن البعثات الأثرية المصرية أثبتت كفاءة كبيرة خلال السنوات الماضية، وأصبحت قادرة على تحقيق اكتشافات مهمة تضاهي ما تحققه البعثات الدولية.
الربط بين السياحة الشاطئية والثقافية
وفي سياق حديثه عن تنويع المنتج السياحي المصري، شدد وزيري على أهمية الربط بين السياحة الشاطئية والسياحة الثقافية باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لزيادة الحركة السياحية.
وقال: “مصر تتمتع بميزة سياحية فريدة، فالسائح يمكنه الاستمتاع بالشواطئ الساحرة ثم ينتقل بعد ساعات قليلة ليعيش تجربة حضارية تمتد لآلاف السنين.”
وأضاف: “من المهم أن تتكامل البرامج السياحية بحيث تشمل زيارة المواقع الأثرية والمتاحف إلى جانب الاستمتاع بالشواطئ في مدن مثل شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم.”
وأكد أن هذا التكامل بين الأنماط السياحية يسهم في زيادة مدة إقامة السائح في مصر ويرفع العائد الاقتصادي لقطاع السياحة.

المتحف المصري الكبير هدية مصر للعالم
وتحدث وزيري عن الدور المنتظر لـ المتحف المصري الكبير في دعم السياحة الثقافية. وقال: “المتحف المصري الكبير يعد أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، وهو مشروع حضاري ضخم سيقدم الحضارة المصرية للعالم بأسلوب علمي وعصري.”
وأوضح أن المتحف سيعرض آلاف القطع الأثرية الفريدة، وعلى رأسها المجموعة الكاملة لمقتنيات الملك توت عنخ آمون التي ستعرض لأول مرة كاملة في مكان واحد.
وأشار إلى أن المتحف يمثل نقطة جذب سياحية عالمية ستعزز من مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية الدولية.
مواجهة التعديات على الآثار الإسلامية
وتطرق وزيري إلى التحديات التي تواجه بعض المناطق الأثرية، خاصة الآثار الإسلامية، مؤكدًا أن الحفاظ على هذه المواقع يمثل أولوية مهمة للدولة المصرية.
وقال:”الآثار الإسلامية في مصر تمثل جزءًا مهمًا من الهوية الحضارية المصرية، والحفاظ عليها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.”
وأوضح أن الجهات المعنية تعمل على مواجهة أية تعديات على المناطق الأثرية، مع تنفيذ برامج ترميم وتطوير للحفاظ على قيمتها التاريخية والمعمارية.
توجيهات القيادة السياسية بحماية التراث
وأشار وزيري إلى أن هناك توجيهات واضحة من القيادة السياسية بضرورة الحفاظ على التراث الحضاري في جميع مشروعات التطوير العمراني.
وقال: “هناك تأكيد دائم على ضرورة أخذ رأي الآثار في أي مشروع تطوير عمراني قد يتداخل مع مواقع تاريخية، وذلك حفاظًا على التراث الحضاري المصري.”
وأكد أن هذا التوجه يعكس إدراك الدولة لأهمية الآثار باعتبارها أحد عناصر القوة الناعمة لمصر.
الفرق بين الآثار والتراث الحضاري
وأوضح وزيري أن تسجيل أي موقع كأثر يخضع لمعايير علمية محددة يضعها المجلس الأعلى للآثار.
وقال: “ليس كل مبنى قديم يُعد أثرًا بالضرورة، فهناك معايير دقيقة تتعلق بالقيمة التاريخية والمعمارية ومدى احتفاظ المبنى بعناصره الأصلية.”
وأضاف أن المواقع التي تستوفي هذه المعايير يتم تسجيلها ضمن الآثار وتخضع لإشراف المجلس الأعلى للآثار، بينما توجد مبانٍ لها قيمة تاريخية لكنها لا تستوفي شروط التسجيل الأثري.
وأوضح أن هذه المباني تندرج ضمن التراث الحضاري وتخضع لجهات أخرى مثل وزارة الثقافة المصرية التي تتولى الحفاظ عليها باعتبارها جزءًا من التراث المعماري والثقافي.
الرد على مزاعم الأفروسنتريك
وفي رده على محاولات بعض تيارات الأفروسنتريك نسب الحضارة المصرية القديمة إلى شعوب أخرى، أكد وزيري أن الحضارة المصرية حضارة مصرية خالصة.
وقال: “الحضارة المصرية القديمة نشأت على أرض مصر وارتبطت ببيئتها ونهر النيل وشعبها، وهذه حقيقة تؤكدها الأدلة الأثرية والدراسات العلمية.”
وأضاف أن محاولات تزييف التاريخ أو إعادة تفسيره بعيدًا عن الحقائق العلمية لا يمكن أن تصمد أمام الأدلة الأثرية التي كشفتها الحفائر والدراسات الأكاديمية.

الإعلام السياحي شريك في الترويج للحضارة المصرية
وفي ختام اللقاء، أعرب الدكتور مصطفى وزيري عن تقديره للدور الذي يقوم به الكُتاب والصحفيون المتخصصون في السياحة والآثار في التعريف بالحضارة المصرية.
وقال: “الإعلام السياحي الواعي يمثل شريكًا أساسيًا في الترويج لما تمتلكه مصر من كنوز حضارية وسياحية فريدة.”
مؤكدًا أن التعاون بين المؤسسات الثقافية والإعلامية يمكن أن يسهم بشكل كبير في نشر الوعي الأثري وتعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة العالمية.



