
تنشر بوابة المحروسة نيوز حصريًا أحدث الإبداعات القصصية للكاتب الصحفي والأديب عادل سعد، في سلسلة قصصية ترصد تفاصيل الحياة في الحارة المصرية، بشخصياتها البسيطة ومفارقاتها الإنسانية، في لوحات سردية تجمع بين السخرية والواقعية.
تعودت أن أراها منذ كانت طفلة.
كانت منى تدق على باب الشقة بإلحاح لأشتري منها. وكانت مع صديقتها تبدأ أول مشروعاتها، فتبيع اللبن. وطلبت يومًا أن تستدين بعض الجنيهات على أن تسددها من ثمن اللبن، لكنها عجزت عن السداد.
وبعد شهور استدارت الدنيا قليلًا، وبدأت تظهر من جلبابها محاسن لا يشبهها جمال.
كانت أمها وأبوها وأخوها من بدو العرب، ووسط كل هذه الحواري والزحام نصبوا خيمتهم؛ بيتًا من طابق ونصف، بداخله جواميس وبقر وجمال.
واعتدت أن أرى منى، بجلبابها الوحيد، تخرج من خيمة البيت حافية لتشتري خبزًا أو بعض الفول.

وكان مشروعها الأول للاستقلال والثراء قد فشل فشلًا ذريعًا، بعد أن منعها حسنها من الصعود والدق على الأبواب. وكانت، عندما تراني، تتلفت مرتبكة.
كانت أمها صغيرة الحجم، نحيفة، ولا تتوقف عن الدوران طوال اليوم. وبخلاف الحيوانات والطيور، كانت لديها تجارة صغيرة: ثلاثة أقفاص أمام البيت تضع عليها قليلًا من البصل والجرجير والطماطم والبطاطس.
سافرتُ إلى الخارج، وعدت بعد عام، وجلست على المقهى المجاور للبيت-الخيمة، وتمنيت أن أرى منى، أجمل بنات المكان.
ذات مرة لمحت عينين تنظران نحوي من بعيد، لكنني لم أنتبه.
وأخبرني ثرثار على المقهى أن منى تزوجت – وفقًا لأعرافهم – من أعرابي أذاقها الهوان. حاول كثير من الشباب الزواج منها، لكنها كانت تُقاد إلى قدرها؛ فقد كانت أمها تتمتم دائمًا:
“يأخذها التمساح ولا تتزوج فلاحًا”.
وتزوجها البدوي، ابن عمها، لتدور على حيواناته. وكان من حقه أن يضربها ليؤدبها. وصارت صورة من أمها، وتتوارى عندما تزور بيت أبيها حتى لا يتذكرها أحد.
بالأمس عرفت… ماتت منى.

