أخبار عاجلةالمنطقة الحرةتنمية عقاريةسلايدر

مقال قديم جديد ..”محمود عبد المنعم القيسونى” يكتب عن : وصمة وزارة البترول

في يوم 21 يونيو، 2022 | بتوقيت 1:00 مساءً
لا شك أن تاريخ وزارة البترول المصرية تاريخ مشرف ومصدر خير لشعب مصر، هذا رغم التجاوزات والقرارات السياسية بالغة السلبية على الدخل القومى والتى تم تفعيلها قبل عام 2010 وهذا واقع يعلمه الجميع.
هذه مقدمة رأيت من الواجب تسجيلها قبل الخوض فى اختيارى لهذا العنوان، والذى يشير لحقيقة وواقع مخجل ومؤسف قائم منذ عشرات السنين لما كان صرحا ومنارة ثقافية تعليمية مشرفة من الطراز الأول وفخرا لمصر. وأكرر «لما كان» وهو صرح يتبع وزارة البترول، ما يشكل علامات استفهام لا حصر لها فلا وجود قط لأى عذر منطقى أو سبب مقبول لدوام هذه الوصمة المؤسفة والمخجلة لمصر، وأقصد بذلك «المتحف الجيولوجى» المملوك لشعب مصر.
المتحف الجيولوجى تم بناؤه عام 1902 مع المتحف المصرى، وهو الذى صممه وبناه على شارع الشيخ ريحان المتفرع من ميدان التحرير نفس المهندس، فكان منارة علمية بالغة الأهمية والثقل على المستويين الدولى والمحلى، حيث كان يعرض فيه كنوز جيولوجية من حفريات نادرة وهياكل لكائنات اندثرت منذ ملايين السنين لا مثيل لها فى متاحف العالم أجمع، ومنها هيكل كامل لحيوان الأرسينوثيريوم، وهو كائن نادر عاش فى الفيوم منذ 28 مليون سنة وكان من أغرب الحيوانات المنقرضة على الإطلاق.
فقد كان جسمه مثل جسم خرتيت اليوم وأرجله مثل أرجل فيل اليوم وأسنانه مثل أسنان الأرنب الصخرى، وكان على أعلى فكه العلوى قرن من العظم منفرج على هيئة سبعة وكان من آكلى الأعشاب. وثبت أن ضخامته وسمك جلده وقوته شكلت مانع صد فى مواجهة هجمات الديناصورات آكلة اللحوم، وقد اكتشف الهيكل بالفيوم أوائل القرن الماضى مع هيكل ثانٍ كامل تم إهداؤه لمتحف التاريخ الطبيعى بلندن، حيث يعرض لليوم فى موقع مميز داخل المتحف.

***
كما ضم متحفنا تشكيلة ضخمة من هياكل الكائنات التى انقرضت منذ ملايين السنين، وصخور نيزكية من كواكب سحيقة تضم معادن لا وجود لمثلها بالكرة الأرضية، وصخور بها عروق ذهب وتشكيلات من الكهرمان بها حشرات جمدت داخلها منذ ملايين السنين. ونظرا لثقل وندرة معروضاته وأمانة المسئولية قام المسئولون عنه فى نهاية الثلاثينيات من القرن الماضى ــ عند اندلاع الحرب العالمية الثانية وكان معظمهم بريطانيين ــ بنقل كامل هذه الكنوز والمعروضات بعد تفكيكها ووضعها بعناية فائقة فى صناديق للصحراء المتاخمة للعاصمة ودفنها بهدف حمايتها من أى غارات محتملة قد تنفذها القوات الجوية التابعة لمعسكر المحور. وبنهاية الحرب عام 1945 وانتصار الحلفاء تم إعادة كامل هذه الكنوز والحفريات لمواقعها السابقة داخل المتحف.
وقد أسعدنى الحظ أن أزور هذا المتحف الرائع عدة مرات وأن أستمع من عالم مصر الدولى الجليل المرحوم الدكتور/ رشدى سعيد عن ذكرياته عندما كان مكتبه بالطابق الأول بالمتحف فى مواجهة الهيكل الكامل لوحش الفيوم، وعن صدمته عندما علم بقرار هدم هذا المتحف لصالح مترو الأنفاق، وكيف قاتل هو والمرحوم عالم مصر الدولى الجليل الدكتور/ محمد القصاص لإقناع المسئولين بضرورة إبعاد مخطط الحفر للمترو عن موقع المتحف دون جدوى، فقد اتخذ القرار بجرة قلم ودون أى تردد أو حتى دراسة مواقع بديلة لحماية هذا الصرح القومى المهم. بل قيل لهم وقتها إنه سيتم فورا بناء متحف بديل مشرف ولائق بثقله العلمى والتاريخى للحفاظ على هذه الكنوز النادرة ليكتشفوا بعد عدة سنوات أنها كانت وعود كاذبة.
وتم نقل كامل هذه الكنوز لأكشاك سابقة التجهيز على كورنيش المعادى ذات مساحة محدودة للغاية فرضت تشويه جزء كبير من هذه الكنوز النادرة داخل صناديق، وعرض جزء داخل صناديق زجاجية فى حالة مؤسفة ومخجلة بل وبائسة، لتشكل وصمة وعار بكل المقاييس لوزارة البترول والتى يتبعها هذا المتحف، وليتحول هذا الصرح العظيم إلى رمز للإهمال واللا مبالاة لأكثر من ثلاثين سنة، مع الإهمال الكامل وتجاهل كامل الاكتشافات المدوية والمرتبطة بعلوم الحفريات التابعة لوزارة البترول والتى تقوم بها بعثات علمية أجنبية تابعة لأهم الجامعات بدول العالم.
كما يسمح لتلك البعثات بنقل كنوز الحفريات المكتشفة والنادرة إلى دولهم لتعرض باهتمام واحترام بالغ بمتاحفهم، مع طبع الكتب العلمية الفاخرة والشاملة تفاصيل مكتشفاتهم لهذه الحفريات على أرض مصر، مثل ما حدث لحفرية الحوت العملاق الذى اكتشفته بعثة علمية أمريكية أوائل القرن الحالى والملقب بالسحلية الملك، وقد أعلن وقتها أنه الحلقة المفقودة بين حوت اليابس وحوت البحار وأنه فى علم الحفريات يساوى حجر رشيد فى علم المصريات. ونشرت صوره وأخباره بأهم المجلات العلمية والصحف على مستوى العالم وهو الذى سمحت وزارة البترول بنقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية للترميم والإعادة ليعرض بمتحف بمصر، ومرت السنون وتجاهلت وزارة البترول هذا الأمر ولم تطالب به وكأنه لا يعنيها والحفرية ملك شعب مصر هناك، ووزارة البترول لا تبالى ولا تبنى متحفا لائقا بمصر وكنوزها النادرة.

كاتب المقال

محمود عبد المنعم القيسونى

الخبير الدولى فى شئون السياحة والبيئة

أول رئيس لجنة للسياحة البيئية بالاتحاد المصرى للغرف السياحية

أول رئيس لجنة للسياحة البيئية بالمجالس القومية المتخصصة، التابعة لرئاسة الجمهورية.

ممثل مصر فى كل المؤتمرات الدولية تحت علم الأمم المتحدة ومنظمة السياحة العالمية الخاصة بهذا النشاط الجديد.

 عضو منتخب باللجنة الدولية لأخلاقيات السياحة، التابعة لمنظمة السياحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة لمدة خمس سنوات

ومستشار متطوع لوزير السياحة ووزيرة البيئة لشؤون السياحة البيئية سبع سنوات

نشر فى جريدة المصرى اليوم   يوم الخميس 21 يناير 2016
مستشار وزير السياحة ووزير البيئة السابق

   

مقالات ذات صلة