لم يعد ما يحدث داخل هيئة تنشيط السياحة السكوت عنه ، ولم يعد شأنًا إداريًا داخليًا يمكن احتواؤه داخل جدران مؤسسة حكومية، بل أصبح – بكل المقاييس – ملفًا يمس أحد أعمدة الأمن الاقتصادي القومي المصري.
فالدول الحديثة لا تقيس قوتها فقط بعدد الجيوش أو حجم التسليح، بل تقيسها أيضًا بقدرتها على حماية مواردها الاقتصادية الاستراتيجية، وعلى رأسها السياحة، التي تمثل شريانًا رئيسيًا للعملة الصعبة، وأحد أهم أدوات القوة الناعمة للدولة المصرية في الخارج.
وهنا يصبح السؤال الأخطر:
هل ندرك حجم الخطر حين تبدأ مؤسساتنا الاستراتيجية في فقدان كفاءاتها وخبراتها بهذا الشكل؟
نزيف الكفاءات… خسارة مزدوجة
المؤلم أن بعض الكفاءات التي خرجت أو ابتعدت عن العمل داخل منظومة هيئة تنشيط السياحة لم تترك المجال السياحي، بل انتقلت للعمل داخل هيئات تنشيط سياحي بدول أخرى، حاملة معها سنوات من الخبرة في الترويج لمصر، وفهم الأسواق الدولية، وبناء العلاقات مع منظمي الرحلات وشركاء الصناعة عالميًا.
وهنا لا نتحدث عن خسارة وظائف…
بل عن نقل خبرات استراتيجية خارج الحدود.
وفي عالم تنافسي شرس مثل السياحة الدولية، فإن امتلاك المعلومات والخبرة والعلاقات يساوي امتلاك سلاح اقتصادي حقيقي.
حين تتحول المؤسسات إلى بيئة طاردة للخبرة
أي مؤسسة تسمح بخروج خبراتها أو تدفعها دفعًا نحو الهروب، فإنها لا تخسر أفرادًا فقط، بل تخسر سنوات من الاستثمار في التدريب والتأهيل وبناء الشبكات الدولية.
وإذا تحول المناخ الوظيفي — كما تشير روايات داخلية — إلى بيئة يخشى فيها أصحاب الخبرة من إبداء الرأي أو تقديم النصح، فإن المؤسسة تدخل تلقائيًا في مرحلة التراجع البطيء، وهو أخطر أنواع التراجع لأنه يحدث في صمت.

المسؤولية السياسية… هنا تبدأ الحقيقة
حين يصل الأمر إلى هذا المستوى من التأثير على أحد القطاعات الحيوية للاقتصاد المصري، فإن الملف لا يعود إداريًا فقط، بل يصبح ملف إشراف سياسي مباشر.
وهنا تصبح المسؤولية ممتدة إلى مستوى الإدارة العليا للقطاع السياحي بالكامل، لأن حماية المؤسسات الاستراتيجية ليست خيارًا إداريًا… بل واجب دولة.
رسالة مباشرة إلى وزير السياحة والآثار
هذه المؤشرات الخطيرة، وهذه المعلومات المؤكدة، وهذه الوقائع التي تتراكم داخل أحد أهم أذرع الدولة السياحية، نضعها أمام الدكتور شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، مع بداية ولايته الثانية، بعد أن جددت القيادة السياسية — وعلى رأسها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي — الثقة فيه.
هذه الثقة لا تعني فقط إدارة الملفات اليومية للوزارة، بل تعني حماية أحد أهم مكونات الأمن الاقتصادي للدولة المصرية.
لحظة الاختبار الحقيقية
ربما حدثت بعض هذه الممارسات في السابق دون أن تصل الصورة كاملة إلى صانع القرار…
لكن اليوم، الصورة أصبحت أكثر وضوحًا.
والتحدي الحقيقي لم يعد في إدارة الأزمة…
بل في منع تحولها إلى تهديد استراتيجي طويل المدى.
كلمة أخيرة
السياحة ليست قطاعًا خدميًا فقط…
بل هي ملف سيادي اقتصادي بامتياز.
وأي نزيف في كوادرها وخبراتها…
وأي تفريغ لمؤسساتها من العقول التي صنعت نجاحاتها…
هو خطر لا يقل عن أي تهديد اقتصادي مباشر.
والدول لا تُهزم فقط حين تُستنزف مواردها…
بل تُهزم حين تسمح بخروج عقولها.
واليوم…
السؤال لم يعد: ماذا يحدث داخل هيئة تنشيط السياحة؟
بل أصبح: هل نتحرك لحماية أحد أعمدة الأمن الاقتصادي للدولة… أم ننتظر حتى يصبح النزيف أمرًا واقعًا؟..
وإلى مقال أخر نكشف فيه مخالفات مالية بالجملة بهيئة تنشيط السياحة
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ..وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.. وعلى الله العلى القدير قصد السبيل
كاتب المقال
سعيد جمال الدين
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير لبوابة المحروسة الإخبارية ” المحروسة نيوز ”
عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين
مؤسس ورئيس شعبة الصحافة السياحين بنقابة الصحفيين
عضو جمعية الكتاب السياحيين المصريين
عضو جمعية كتاب البيئة والتنمية
الأمين العام للمنتدى العالمى لخبراء السياحة والسفر
الأمين العام لصالون الرواد الثقافى بنقابة الصحفيين


