مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام أزمة كان يمكن احتواؤها في مهدها، لكنها تُركت لتتفاقم بفعل الصمت، والتباطؤ، وغياب الشفافية. حادث وفاة سائح ألماني بلدغة كوبرا داخل أحد منتجعات الغردقة ليس مجرد واقعة عابرة، بل جرس إنذار مدوٍ يكشف خللًا عميقًا في منظومة الرقابة والإدارة السياحية في مصر.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بفقرة ترفيهية خرجت عن السيطرة، بل بسلسلة من الإخفاقات تبدأ بالسماح بمثل هذه العروض الخطرة، ولا تنتهي عند الصمت الرسمي الذي أعقب الحادث، وكأن شيئًا لم يكن.
أين كان شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، من هذه الواقعة؟ وأين دور الدكتور وليد عبد العظيم البرقي، محافظ البحر الأحمر؟
هل يعقل أن تقع حادثة بهذا الحجم، تودي بحياة سائح أجنبي، دون إعلان فوري وشفاف يوضح ما جرى، ويحدد المسؤوليات، ويكشف للرأي العام الإجراءات التي تم اتخاذها؟
كيف يُسمح من الأساس بتقديم عرض ترفيهي يتضمن ثعابين سامة داخل منشأة سياحية؟ وأين كانت وزارة السياحة والآثار؟ وأين دور المحليات؟ ومن منح التصريح لمثل هذه الفقرة الخطرة التي تحولت في لحظة إلى مأساة إنسانية أنهت حياة سائح جاء إلى مصر بحثًا عن الأمان والاستجمام؟
الأخطر من الحادث نفسه، هو ما تلاه من صمت رسمي مريب. لم تبادر الجهات المعنية بالإعلان عن الواقعة بشفافية، ولم تُصدر بيانًا واضحًا يشرح ما حدث، أو يحدد المسئوليات، أو يعلن الإجراءات التي تم اتخاذها. تُركت الساحة للإعلام الأجنبي، وتحديدًا الألماني، ليروي القصة من زاويته، بينما غاب الصوت المصري الرسمي، وكأن الأمر لا يعنينا.
ألم نتعلم من دروس الماضي؟ ألم تكن أزمة مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني كافية لتدرك الدولة أن التعتيم لا يقتل الأزمات، بل يضاعفها؟ وقتها، انفجرت القضية في الإعلام الدولي، وأثرت سلبًا على صورة مصر، وعلى علاقاتها، وعلى حركة السياحة الوافدة. واليوم، نكرر السيناريو ذاته، ولكن هذه المرة مع سائح ألماني، وفي قلب أحد أهم المقاصد السياحية المصرية.
إن الاكتفاء بإصدار تعليمات لاحقة بحظر استخدام الحيوانات في العروض الترفيهية لا يكفي، بل يأتي متأخرًا.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل تمت محاسبة الفندق؟ هل فُتح تحقيق شفاف؟ هل تم إبلاغ السفارة الألمانية بشكل رسمي؟ هل قُدم اعتذار واضح لأسرة الضحية؟ أم أن الأمر انتهى عند حدود “التنبيه” و”التحذير”؟
وكان المطلوب على الفور :-
- إعلان رسمي فوري يوضح تفاصيل الحادث
- فتح تحقيق عاجل وشفاف
- إعلان نتائج التحقيق للرأي العام
- اتخاذ إجراءات رادعة بحق المنشأة والمسؤولين
- تقديم اعتذار رسمي لأسرة السائح والتواصل مع السفارة الألمانية
- الإعلان عن حزمة إجراءات رقابية مشددة لمنع تكرار الواقعة
المؤسف أن بعض المسئولين، بدلًا من مواجهة الأزمة، اختاروا توجيه الشكر لمن التزموا الصمت، وكأننا أمام “سر دولة” لا يجوز تداوله، وليس حادثًا مأساويًا يخص سمعة بلد بأكمله.
هذا النهج لم يعد مقبولًا في عالم مفتوح لا يمكن فيه إخفاء الحقائق، حيث تنتقل الأخبار في لحظات، وتتشكل الصورة الذهنية بسرعة، سواء شئنا أم أبينا.
لكن ما حدث – حتى الآن – لا يعكس هذا المستوى من إدارة الأزمات.
إن الاكتفاء بتعميم لاحق يمنع استخدام الحيوانات في العروض الترفيهية، دون إعلان واضح عن المحاسبة أو الإجراءات التنفيذية، يثير تساؤلات مشروعة:
هل تمت معاقبة الفندق؟
هل تمت مراجعة باقي المنشآت؟
هل هناك رقابة فعلية أم مجرد رد فعل مؤقت؟
إن سمعة المقصد السياحي المصري لا تُبنى فقط بالمشروعات العملاقة والحملات الترويجية، بل تُبنى أولًا بالثقة، وبالشفافية، وبالقدرة على إدارة الأزمات بجرأة ووضوح. كل جنيه يُنفق على الترويج يمكن أن يضيع في لحظة بسبب حادث واحد يُدار بشكل خاطئ.
ما حدث في الغردقة يجب أن يكون نقطة فاصلة، لا مجرد واقعة عابرة تُنسى. المطلوب ليس فقط منع هذه العروض، بل إعادة النظر جذريًا في منظومة الرقابة، ومحاسبة كل من سمح بحدوث هذا الخلل، وإعلان ذلك للرأي العام بوضوح.
كل الجهود التي تُبذل لجذب السياح – من حملات ترويجية ومشروعات كبرى – يمكن أن تتبخر بسبب حادث واحد يُدار بشكل خاطئ. والسائح الذي فقد حياته لم يكن رقمًا، بل إنسانًا اختار مصر وجهة آمنة، فدفع حياته ثمن خلل لا يجوز تبريره.
الأمر لا يحتمل التجميل أو التهدئة الشكلية ..سمعة المقصد السياحي المصري على المحك، فالأزمات لا تُدار بالصمت، ولا تُحل بالتجاهل. الشفافية لم تعد رفاهية، بل ضرورة.
وإذا لم نتعلم من أخطاء الماضي، فسنظل ندفع الثمن… فإدارة الأزمات لا تُقاس بقدرتنا على إخفائها، بل بقدرتنا على مواجهتها.. وإلا ستنال من سمعة مصر، ومن اقتصادها، ومن ثقة العالم فيها.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ..وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.. وعلى الله العلى القدير قصد السبيل
كاتب المقال
سعيد جمال الدين سرحان
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير لبوابة المحروسة الإخبارية ” المحروسة نيوز ”
عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين
مؤسس شعبة الصحافة السياحين بنقابة الصحفيين
عضو جمعية الكتاب السياحيين المصريين
عضو جمعية كتاب البيئة والتنمية
الأمين العام للمنتدى العالمى لخبراء السياحة والسفر
الأمين العام لصالون الرواد الثقافى بنقابة الصحفيين
للمزيد مقالات الكاتب أدخل على هذا الرابط



