لحظات ضعف نمر بها في حياتنا نتيجة ضغط الحياة ومتطلباتها المادية ، هذه اللحظات يتسلل خلالها إلى النفس شيطانها الماكر الذي دوما ما يتربص بالإنسان محاولا هو وزبانيته أن يفقدوا المرء حياته ، فيحاولون جل جهدهم إصابته بحالات من اليأس والضيق والضجر ، فيوهموه أنه غير مرغوب فيه ، أو أن الأنظار لا تلتفت إليه ، أو أنه لا أحد يقدره ، بل ويزيد الأمر سوءاً أن ينفث هؤلاء سمومهم في عقله موحون إليه أنه أفنى عمره لهاثا خلف سراب يسمى أحلام ، وما هي بأحلام وإنما أضغاث أحلام.
فإن كان ذا علم يهمس في أذنيه ما الذي استفدته من علمك وما الذي استفاده ذويك بهذا العلم ، وما الذي جنيته طيلة سنوات عمرك من محاريب العلم ، وأنت تستدين حتى تنفق على علمك ، وتستدين حتى تكمل شهرك ، وحتى تحاول أن توفر لأهل بيتك حياة تليق بأسرة عالم.
ليس هذا وحسب ، بل ويجعلك تدخل في صراع مع واقعك الذي تحياه خصوصا إذا ما تقلد آخر لا يساوي شيئا ، لا هو من أهل العلم ولا من أهل الثقافة ، فتجده يتبوأ منصبا رفيعاً ويرفع مكانا عليا ويشار إليه بالبنان.
وأنت صاحب المشاريع الحضارية والأفكار التي من الممكن أن تصلح واقعنا المعيش وتفيد في تطوير منظومات كثيرة في مجال تخصصك.
كل مؤهلات هؤلاء ، أنهم من أصحاب الحظوة ومن ذوي المحسوبية والوساطة قاتل الله هذه الوساطة وهذه المحسوبية.
إن فاقد الشئ لا يعطيه ، وإذا وكل الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة.
يهمش أصحاب الخبرات وأهل الحل والعقد وأصحاب الرؤى الثاقبة ويستبدلون بأمثال هؤلاء ، والنتيجة معلومة ، يخرجون كما يدخلون ، يزيدون الطين بلل ، كل ما أضافوه أن وقفوا بجوار العلم والتقطوا الصور التذكارية والعلم والراية منهم براء.
وقد قالها الرئيس ذات مرة ، من لا يستطيع إدارة مؤسسته التي تولى أمرها فليغادر ، لكن يا فخامة الرئيس ، فلنبحث من البداية عن الأحسن و الأفضل وصاحب الخبرة ، لذلك أتمنى على سيادتكم التوجيه بذلك ومتابعة الاختيارات بنفسك حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه، ويؤول الأمر إلى غير أهله.
إن هذا الشيطان الماكر القابع بداخلنا يتحين علينا الفرص ليتخللنا ولكي يوسوس في صدورنا وليجعلنا نصاب بحالات من اليأس لاعبا على وتر حساس ، ضيق ذات اليد ، وأن مجهودنا غير مقدر ، ومنا من ينقاد خلفه فيصب جم غضبه على حياته وعلى بلده وعلى علمه ، ومنا من يعتزل القوم وينزوي جانبا ويغلق بابه على نفسه ، ومنا من يصل به الأمر إلى الانتحار ، أو إحراق كتبه ، ومنا من يودع في المصحات النفسية.
ومنا من تأتيه الشجاعة ويواجه ولا يعلم مصيره المجهول إذا تكلم ، لكنه عندما ضاقت بها الدنيا بما رحبت ، صرخ بأعلى صوته ، لماذا يحدث لنا نحن من أفنينا أعمارنا باختيارنا ، لماذا نهمش ، لماذا لا نكرم ولو حتى تكريما معنويا.
لكن السؤال ، أليس من حق العالم الحقيقي ، والباحث المجتهد ، والكاتب صاحب الرأي السديد ، والمعلم، أن يحيون حياة كريمة ؟!
ورب أحد يقول ، ما عند الله خير وأبقى ، نعم نعلم ذلك جيدا ، لكنها الحياة ، وبما هي كذلك ، فلماذا لا يأخذ هؤلاء حقهم وحظهم منها.
أم كتب على هؤلاء ومن على شاكلتهم الشقاء والتعب والنصب.
نعم قد نصاب جميعا باليأس ، فنحن بشر وتلك سنة كونية ، نحبط ، ثم نسترجع ونستغفر ، لكن لا يأس من روح الله الذي هو رحمته تعالى ، ولولا هذه الرحمة ولولا تثبيته لا ندري ما الذي كان سيحدث.
إننا بشر ولن تطلعاتنا ولنا آمالنا وطموحاتنا الحقيقية التي ستخدم واقعنا وستخدمنا في ذات الوقت.
لكن السؤال ، ألم يستيأس الرسل ، ألم يظنوا أنهم قد كذبوا ، لكن أتاهم نصر الله سبحانه وتعالى ، أصاب سيدنا يونس اليأس وترك قومه وذهب مغاضبا لكنه عاد واستغفر.
لقد أصاب سيدنا موسى اليأس وغضب على قومه وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره ، وسيدنا نوح الذي دعا قومه أعواما كثيرة حتى حتى تمكن منه اليأس فدعا عليهم.
لكنهم عادوا واستغفروا فغفر الله لهم.
وهذا دليل دامغ على بشرتهم يصيبهم ما يصيب القوم من الضيق والضجر.
إن ما نطلبه لهؤلاء أن يحيون حياة كريمة ويحظون بتكريم يستحقونه ، وأن تنظر إليهم الدولة بعين بصيرة ، وترفعهم مكانتهم التي يستحقونها
فبدونهم لن نتقدم قيد أنملة ، ولن تحدث التنمية المستدامة ، ولن يتحقق حلم جمهوريتنا الجديدة.
فبالعلم وأهله تبنى الأمم وتنهض وترقى.


