
في زمن تتشابك فيه الشعارات السياسية مع المصالح الاقتصادية على نحوٍ بالغ التعقيد، تبرز بعض الأعمال الفنية بوصفها مساحة أكثر صدقًا وجرأة لطرح الأسئلة الصعبة. وفي هذا الإطار، تأتي مسرحية «مطعم جمعة وموردخاي» لتطرح سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق وشائك في جوهره:
هل يمكن أن تقوم شراكة حقيقية بين طرفين يحمل كلٌ منهما ذاكرة مثقلة بالصراعات والدماء والشكوك التاريخية؟
النص، الصادر ضمن مشروع «مسرح من أجل فلسطين»، لا يلجأ إلى الخطابة المباشرة أو الشعارات الجاهزة، بل يختار فضاءً دراميًا شديد الذكاء: مطعم في العاصمة الفرنسية باريس، يتقاسمه مسلم مصري يُدعى «جمعة»، ويهودي فرنسي يُدعى «موردخاي».
مطعم ينقسم إلى قسمين: حلال وكوشير… يفصل بينهما جدار واحد… بينما يجمعهما سقف واحد.
المكان بوصفه استعارة سياسية للصراع
لا يحتاج المتلقي إلى وقت طويل ليدرك أن المطعم ليس مجرد فضاء درامي للأحداث، بل هو خريطة رمزية مصغرة للصراع العربي الإسرائيلي.
فالجدار الفاصل لا يؤدي وظيفة ديكورية مسرحية فقط، بل يتحول إلى رمز لحدود 1967، وإلى تعبير عن الحواجز النفسية والثقافية المتراكمة عبر عقود طويلة من الصراع.
أما الفصل الصارم بين أواني الحلال والكوشير، فهو لا يعكس فقط التزامًا دينيًا، بل يحمل دلالة أعمق:
الاقتراب ممكن… لكن الامتزاج الكامل ما زال مستحيلًا.
ورغم كل ذلك، يستمر العمل داخل المطعم.
لأن المصالح الاقتصادية تفرض استمرار الشراكة… حتى في غياب الثقة الكاملة.
التعايش الممكن… والهشاشة الكامنة
تطرح المسرحية واحدة من أكثر الأفكار حساسية في الخطاب السياسي والاجتماعي المعاصر:
التعايش ممكن… لكنه هش… طالما غابت الثقة.
جمعة لا يثق في موردخاي.
وموردخاي لا يثق في جمعة.
تصل حالة الشك إلى ذروتها في لحظات التجسس المتبادل، حيث تتحول الشراكة الاقتصادية إلى مساحة مراقبة دائمة، في تجسيد درامي مكثف لحالة «السلام البارد».
وهنا تتجلى السخرية السوداء في النص:
سلام معلن… يقابله صراع صامت تحت السطح.

تفكيك العلاقة بين الديني والسياسي
من أبرز نقاط قوة النص قدرته على الفصل بين الهوية الدينية والسياسات الرسمية للدول.
جمعة لا يرفض موردخاي بوصفه يهوديًا، بل يرفض الاحتلال كسياسة ومشروع.
أما موردخاي، فيرفض حمل الجنسية الإسرائيلية، لكنه يظل نفسيًا أسيرًا لسردية الدولة وتاريخها.
هذا الطرح يمنح النص بعدًا إنسانيًا مهمًا، ويُبعده عن الوقوع في فخ التعميم أو خطاب الكراهية، رغم انحيازه الواضح للقضية الفلسطينية.
الشخصيات: نماذج إنسانية لا قوالب نمطية
المسرحية لا تقدم شخصيات مثالية أو شيطانية، بل تقدم بشرًا معقدين ومتناقضين.
جمعة:
شخصية برجماتية، وطنية، لكنها مستعدة للدخول في شراكة مع طرف لا تثق به بالكامل، مدفوعة بضرورات الواقع.
موردخاي:
شخصية مادية في جوهرها، متدينة جزئيًا، مترددة بين اعتبارات الهوية ومتطلبات الربح.
أما الشخصيات الثانوية مثل محمود وإيزاك، ومنال وسونيا، فتؤدي دورًا مهمًا في توسيع البعد الإنساني للنص، حيث تكشف كيف تتسلل السياسة إلى تفاصيل الحياة اليومية: العلاقات الأسرية، الطعام، الغيرة، وحتى اختيارات السفر والترفيه.
السخرية بوصفها أداة كشف درامي
يمتاز النص بحوار سريع الإيقاع، يمزج بين العامية المصرية والفصحى، مع حضور لغوي فرنسي يعكس البيئة الأوروبية للأحداث.
السخرية هنا ليست مجرد عنصر ترفيهي، بل أداة فكرية لكشف التناقضات العميقة في الواقع السياسي والإنساني.
إنه ضحك يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من القلق والأسئلة المؤجلة.
وفي مشاهد مراقبة أجهزة الأمن الفرنسية للطرفين، يتسع الإطار الدرامي ليكشف أن الصراع لم يعد محليًا فقط، بل أصبح ملفًا دوليًا مفتوحًا على احتمالات انفجار اجتماعي وسياسي أوسع.
موقف النص: انحياز إنساني دون خطاب إقصائي
المسرحية تنحاز بوضوح للحق الفلسطيني، لكنها في الوقت نفسه تحاول الابتعاد عن خطاب الكراهية المطلقة.
هي لا تقدم حلولًا جاهزة، ولا تبشر بسلام قريب، بل تضع المشاهد أمام حقيقة شديدة القسوة:
السلام الذي لا يقوم على العدالة… يظل مجرد هدنة مؤقتة.
العمل في سياق المسرح العربي المعاصر
يمكن قراءة «مطعم جمعة وموردخاي» ضمن موجة متصاعدة في المسرح العربي المعاصر، تسعى إلى إعادة طرح القضايا السياسية والإنسانية من منظور أكثر إنسانية وتعقيدًا، بعيدًا عن الشعارات المباشرة أو الطرح الدعائي التقليدي.
فالمسرح العربي خلال السنوات الأخيرة اتجه إلى:
التركيز على الإنسان داخل الصراع لا الصراع فقط.
تفكيك السرديات السياسية الكبرى إلى حكايات يومية صغيرة.
استخدام الرمزية المكانية بوصفها أداة تحليل سياسي واجتماعي.
المزج بين السخرية والدراما الواقعية في طرح القضايا الكبرى.
وفي هذا السياق، يمثل النص نموذجًا مهمًا لمحاولة قراءة الصراع من زاوية «العيش المشترك القسري»، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الذاكرة التاريخية ومع صراعات الهوية.
نص عن الشراكة… لكنه في جوهره نص عن الذاكرة
«مطعم جمعة وموردخاي» عمل مسرحي ذكي في فكرته، بسيط في أدواته، عميق في دلالاته.
هو نص عن الشراكة الاقتصادية…
لكنه في جوهره نص عن الذاكرة الجمعية…
عن الكراهية التي تنتقل بين الأجيال…
وعن سؤال لم يُحسم بعد:
هل يمكن للاقتصاد أن يبني جسورًا تعجز السياسة عن بنائها؟
أم أن الجدران — مهما كانت رقيقة — ستظل أقوى من أي سقف مشترك؟
عـــلاء البنــا




