الرؤية الإخراجية للنص: معالجة إنسانية جديدة للقضية الفلسطينية مع التحذير من سوء التأويل الجماهيرى
قراءة نقدية تاريخية: المسرح المصرى تراجع عن معالجة الصراع العربى الإسرائيلى منذ التسعينيات
“مطعم جمعة وموردخاي”: بناء درامي متماسك قائم على الحدث المركب
العمل يطرح استحالة التعايش مع المشروع الصهيونى ودعوة صريحة لمرحلة جديدة من الكتابة المسرحية
في إطار الحراك الثقافي والفني الذي تشهده نقابة الصحفيين، نظمت اللجنة الثقافية والفنية بالنقابة ندوة موسعة لمناقشة التجربة المسرحية الجديدة للكاتب الصحفي والناقد المسرحي أسامة عبد اللطيف، مدير تحرير جريدة أخبار النجوم التابعة لمؤسسة أخبار اليوم، وذلك احتفاءً بمشروعه الإبداعي “مسرح من أجل فلسطين”، الذي يضم نصين مسرحيين هما “مطعم جمعة وموردخاي” و“رقصة الموت الكنعانية”.

وجاءت الندوة بحضور نخبة من المسرحيين والإعلاميين والمثقفين والكتاب، وأدارها الكاتب الصحفي مصطفى خلاف، وشهدت نقاشات فكرية وفنية ساخنة عكست أهمية التجربة المسرحية المطروحة، خاصة في ظل ندرة المعالجات المسرحية المعاصرة للقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.

وتتناول مسرحية “مطعم جمعة وموردخاي” حالة مطاردة نفسية وفكرية مستمرة بين شريكين في مطعم باريسي، أحدهما مصري مسلم والآخر يهودي فرنسي، حيث يطرح النص سؤال إمكانية التعايش في ظل غياب الثقة والاختلاف الفكري، قبل أن تتصاعد الأحداث بوقوع جريمة قتل تفتح الباب أمام احتمالات جريمة كراهية عنصرية.
كما ناقشت الندوة تجربة كتابة المسرح التسجيلي من خلال نص “رقصة الموت الكنعانية” الذي يسعى لتقديم قراءة توثيقية لتاريخ الصراع، رغم اعتراف الكاتب نفسه بأن النص كُتب في فترة زمنية قصيرة قبل المشاركة في مسابقة الكتابة التجريبية بالمهرجان التجريبي.

عصام السيد: نص يطرح الفارق بين اليهودي والإسرائيلي.. لكن يجب الحذر من فهمه كتطبيع
أكد المخرج المسرحي الكبير عصام السيد أن أسامة عبد اللطيف ينجح في إدهاشه مع كل نص جديد، مشيراً إلى أنه يطرح أفكاراً جديدة وغير مطروقة، خاصة في تناوله القضية الفلسطينية بشكل إنساني مبسط وجذاب.
وأوضح أن النص يميز بين اليهودي والإسرائيلي، وهو فارق مهم فكرياً وسياسياً، لكنه أبدى تخوفه من أن يفهم جمهور المسرح العمل باعتباره دعوة للتطبيع، خاصة أن جمهور العرض المسرحي قد ينشغل بالعناصر البصرية والسمعية على حساب التحليل الفكري العميق.
وشدد على ضرورة التأكيد داخل النص على أن الصراع ليس دينياً، بل صراع وجود ومصالح.
الكوميديا داخل النص: عنصر جاذب لكن كان يمكن توظيفه بشكل أعمق
أشار عصام السيد إلى أن إدخال الكوميديا كان خطوة محببة، لكنه رأى أن بعض مساحتها كان يمكن أن يُستثمر في تعزيز الرسائل الفكرية والسياسية داخل العمل.
واستعاد تجربته عندما كان مديراً للمسرح الكوميدي، وكيف تعامل بحذر مع فكرة تقديم عروض داخل الأراضي الفلسطينية تجنباً لشبهة التطبيع، عبر التفكير في نقل الجمهور الفلسطيني لمشاهدة العرض خارج الأراضي المحتلة.
كما أثنى على إصرار الكاتب على تناول القضية الفلسطينية فنياً، مستشهداً بتجربة نص “وان تو”، الذي تناول فكرة لاعب كرة يتلقى عرض احتراف في أوروبا بشرط اللعب لفترة داخل إسرائيل.

أحمد عبد الرازق أبو العلا: الإبداع المقاوم أحد أشكال المقاومة الوطنية
أكد الناقد المسرحي أحمد عبد الرازق أبو العلا أن المسرح المصري تراجع بشكل واضح عن معالجة الصراع العربي الإسرائيلي منذ التسعينيات، رغم حضوره القوي خلال الستينيات والسبعينيات.
وأشار إلى أن بعض الكتاب ربما تجنبوا تناول القضية خوفاً من عدم تقديم أعمالهم على خشبة المسرح، ما أدى إلى تحول المسرح إلى أدب مسرحي داخل الكتب.
واستشهد برؤية الكاتب الكبير سعد الدين وهبة في نص “المحروسة 2015”، والتي توقع فيها تطورات مستقبلية داخل المجتمع المصري، مستشهداً برؤية محمد حسنين هيكل بأن رؤية الفنان قد تسبق رؤية السياسي.
وأكد أن الإبداع المقاوم يسير جنباً إلى جنب مع المقاومة المسلحة، موضحاً أن المبدع لا يحمل السلاح لكنه يستطيع تحويل الكلمة إلى قوة تأثير حقيقية.

تحليل فني للنصوص المسرحية
“مطعم جمعة وموردخاي”: بناء درامي متماسك قائم على الحدث المركب
أوضح أبو العلا أن النص يقدم علاقة نفعية معقدة بين الشخصيتين، حيث تتداخل الكراهية مع المصالح، مع وجود حدث مركب يتمثل في جريمة قتل “إيزاك”، ما يخلق غموضاً بوليسياً يدفع المتلقي لمتابعة العمل حتى النهاية.




“رقصة الموت الكنعانية”: مادة وثائقية تحتاج دعماً درامياً
رأى أن النص أقرب إلى المادة الوثائقية، وأن المسرح التسجيلي يحتاج إلى حدث درامي قوي يفجر الوقائع التاريخية.
أزمة المسرح: ليست رقابية فقط بل إدارية وفكرية
أكد أبو العلا أن الأزمة لا تتعلق بالرقابة فقط، بل أحياناً بخوف بعض المسؤولين من تقديم أعمال قد تسبب أزمات إدارية أو سياسية.
رؤى فكرية وسياسية للصراع

مجدي أحمد حسين: رؤى فكرية وسياسية للصراع
أبدى الكاتب الكبير مجدي أحمد حسين إعجابه بفكرة النص، مؤكداً أن الرسالة التي وصلته هي استحالة التعايش مع المشروع الصهيوني، وربط ذلك بالسياقات التاريخية والسياسية للصراع.
المسرح كمشروع ثقافي جماعي
أشرف شوبك: المشروع يمكن أن يتحول إلى تيار إبداعي واسع
أكد الكاتب الصحفي أشرف شوبك أن مشروع “مسرح من أجل فلسطين” يمكن أن يتحول إلى مشروع جماعي يشارك فيه عدد كبير من المبدعين.
محمد زيد: الحاجة إلى نص ثالث يعكس تحولات ما بعد 7 أكتوبر
طالب الإذاعي محمد زيد بكتابة نص ثالث يتناول التحولات الجديدة بعد أحداث 7 أكتوبر، مع ضرورة تعميق المعرفة بالمجتمع الإسرائيلي.

حضور داعم للإبداع المسرحي
حرصت د. هدى وصفي على حضور الندوة رغم إصابتها بنزلة برد، وأعربت عن فخرها بتجربة الكاتب وتمسكه بالكتابة في موضوع بالغ الحساسية.
نقاشات ساخنة تعكس الغيرة على المسرح المصري
شهدت الندوة نقاشات حادة حول أسباب تراجع المسرح السياسي، ومسؤولية الإعلام والمبدعين في دعم الحركة المسرحية.

ملاحظات كبار المسرحيين على النص
-
مراد منير: أشار إلى أن كثرة المشاهد قد تمثل عبئاً إخراجياً، مع ضرورة توسيع مساحة الحدث الدرامي.
-
السيد حافظ: أشاد بسهولة اللغة الدرامية للنص، ونصح بالاطلاع على مناهج ستانسلافسكي الإخراجية.

كلمة الكاتب: الكتابة دفاع عن الذاكرة التاريخية للقضية
أكد أسامة عبد اللطيف أن الكتابة عن القضية الفلسطينية تمثل واجباً ثقافياً لحماية الذاكرة العربية، مشيراً إلى أن الجرائم المتكررة تعيد إحياء الوعي بتاريخ الصراع.

ختام المشهد: المسرح لا يزال قادراً على الاشتباك مع القضايا الكبرى
عكست الندوة حالة جدية من البحث عن دور جديد للمسرح في القضايا المصيرية، مؤكدة أن المسرح يظل أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الثقافي والسياسي.



