أعلن البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) الأسبوع الماضي عن استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكي الجديدة لعام 2026، والتي حددت فيها وزارة الدفاع الاتجاهات الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية في الفترة القادمة. وبالطبع، بعد صدورها، عكفت مراكز الدراسات الاستراتيجية والمحللون العسكريون والاستراتيجيون في كل أنحاء العالم على دراسة هذه الاستراتيجية الجديدة، التي تحدد شكل تحرك الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة.
وقد بدأ البنتاجون هذه الوثيقة بالتأكيد على أن هدف أمريكا خلال الفترة القادمة هو تدعيم السلام من خلال القوة، على أساس أن تكون وزارة الدفاع الأمريكية قادرة على مواجهة أي تهديد للولايات المتحدة، من خلال امتلاك قوة عسكرية متفوقة عن باقي القوى في العالم.
وحول تهديد العدو الرئيسي للولايات المتحدة، ذكرت الوثيقة أنه خلال عهد الرئيس الأسبق جو بايدن كانت أمريكا تعتبر الصين هي التحدي الأكبر لها، رغم أن روسيا تمثل تهديدًا خطيرًا أيضًا ، إلا أن الاستراتيجية الجديدة لعام 2026 دعت إلى علاقات قائمة على الاحترام مع بكين، دون الإشارة إلى تايوان، كحليف للولايات المتحدة، والتي تعتبرها الصين جزءًا من أراضيها.
أما عن روسيا، فقد وصفت الوثيقة الامريكية التهديد الروسي أنه ما زال مستمرًا، لكنه قابل للاحتواء، وهو ما يمثل تغييرًا جديدًا في مفهوم الاستراتيجية الأمريكية هذا العام.
وبالنسبة للموقف تجاه إيران، أكدت الوثيقة أنه على الرغم من أن إيران قد تعرضت لانتكاسات كبيرة بعد الضربة العسكرية خلال ما عُرف بـ(حرب الاثني عشر يومًا)، إلا أنها ما زالت مصممة على إعادة بناء قواتها العسكرية التقليدية، وإصرارها على تطوير سلاحها النووي، وتطوير أنظمة الصواريخ الباليستية والفرط صوتية. وقد أكدت الوثيقة أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران، بأي شكل من الأشكال، بالحصول على السلاح النووي، وأكد التقرير الاستراتيجي أن إيران وحلفاءها الإقليميين سيتحملون المسؤولية معًا بالطبع يُقصد حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وحماس في غزة، والحشد في العراق.
وبالنسبة لإسرائيل، أكدت الوثيقة أن أمريكا ستعمل على تمكين إسرائيل من امتلاك القدرة العسكرية للدفاع عن نفسها، وأن تكون مسؤولة عن تأمين المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بهدف تحقيق سلام واستقرار في المنطقة.
وبالنسبة لكوريا الشمالية، أكدت الوثيقة الأمريكية أن البنتاجون يتوقع أن تلعب الولايات المتحدة دورًا أكثر محدودية في ردع كوريا الشمالية، على أن يؤخذ في الاعتبار اشتراك كوريا الجنوبية في هذا الدور.
أما بالنسبة لأمريكا الجنوبية، فقد أكد البنتاجون أن أمريكا اللاتينية تقع في صدارة أولويات الأمن القومي الأمريكي، وبررت الوثيقة الأمريكية أن عملية القبض على الرئيس الفنزويلي جاءت بهدف استعادة الولايات المتحدة لنفوذها في أمريكا اللاتينية، إلا أن الوثيقة الأمريكية حذرت من أن هذا الأسلوب قد يشجع خصوم أمريكا، وفي مقدمتهم الصين وروسيا، على اتباع أسلوب مماثل في مناطق نفوذهم.
وأكد التقرير الأمريكي أن العملية الأمنية في كراكاس بفنزويلا تندرج في إطار ما يُعرف بعقيدة مونرو، وهو المبدأ الذي نشأ في السياسة الأمريكية منذ أكثر من نصف قرن، ومفاده أن أمريكا اللاتينية يجب أن تكون محظورة على أي نفوذ لقوى من خارج القارة وهذا يعني انه يجب على الصين وروسيا مستقبلًا الحد من إقامة علاقات مع دول أمريكا الجنوبية.
وفي اتجاه آخر، أكدت الوثيقة الأمريكية أن أمريكا ملتزمة بمكافحة الإرهاب في كل مكان، خاصة التنظيمات الإرهابية التي لديها النية لتهديد أمن واستقرار الولايات المتحدة.
وبالنسبة لحلفاء واشنطن، أوضح التقرير أن أمريكا ستركز على الدفاع عن أراضيها ومنطقة المحيطين الهادي والهندي، بينما سيتحمل حلفاؤها مسؤولية الدفاع عن أنفسهم، مع دعم محدود للحلفاء في أوروبا. ويُعد هذا المفهوم من أبرز النقاط التي ظهرت في التقرير، وهذا يعني أن أمريكا لن تكون المدافع الأول عن أوروبا وحلف الناتو مستقبلًا.
ويأتي ذلك في ظل مطالبة الرئيس الأمريكي ترامب لدول حلف الناتو بزيادة مساهماتهم الدفاعية إلى 5% من الناتج القومي لكل دولة، وهو ما قد يدفع هذه الدول إلى اتباع سياسة جديدة تقوم على عدم الاعتماد الكامل على أمريكا في تأمين أوروبا.
وعلى الجانب الآخر، يرى بعض المحللين أن إعلان أمريكا هذا التوجه في الوثيقة يمثل تهديدًا مباشرًا لدول حلف الناتو، بعدم التدخل في القرار الأمريكي بشأن ضم جزيرة جرينلاند، وعدم المغامرة بدفع قوات من الناتو لحماية الجزيرة، الأمر الذي قد يدفع أمريكا إلى سحب قواتها من قواعدها في أوروبا مستقبلًا، مما يجعل دول الحلف أقل قدرة على التصدي لعمليات عدائية مستقبلية من روسيا.
وحول معالجة الوثيقة للأوضاع في الشرق الأوسط، ركزت على أن إسرائيل مسؤولة عن المشاركة في تأمين الأوضاع في منطقة الخليج، بهدف تأمين مصادر النفط، في إطار شراكة أمريكية مع بعض الدول العربية وإسرائيل، من خلال الاتفاق الإبراهيمي، مع التركيز على منع عودة التنظيمات الإرهابية في المنطقة.
ولكن يُلاحظ أن الوثيقة ابتعدت عن الإشارة إلى بعض المناطق والدول، مثل الدور الأمريكي في أفريقيا، والدور الأمريكي في آسيا، وخصوصًا اليابان، ودور تركيا في منطقة الشرق الأوسط.
وعمومًا، فإن هذا التقرير وضع العديد من المؤشرات حول شكل وأسلوب تحرك الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2026، والذي بلا شك يختلف، إلى حد ما، عن استراتيجيات الولايات المتحدة في الأعوام السابقة.
Email: [email protected]



