بأقلامهم

“اللواء الدكتور سمير فرج” يكتب لـ” المحروسة نيوز ” : قوى الدولة الشاملة

في يوم 31 يناير، 2026 | بتوقيت 6:00 مساءً

منذ عدة سنوات عرضت في نفس المكان في مقالي عن قوى الدولة الشاملة، وفي نفس الأسبوع عرضته قناة العربية التي كانت تصدر من دبي في هذا التوقيت، ونقلت المقالة عن المصري اليوم. واليوم، وبعد عدة سنوات، صدق كل ما كتبته من قبل، وصدقت تحليلاتي بأن القوة الاقتصادية والتكنولوجية سوف تصبح أهم عناصر قوى الدولة الشاملة، وحاليًا فأن الأيام القادمة سوف تشهد صراعًا اقتصاديًا بين كل من الولايات المتحدة والصين على زعامة القوى الاقتصادية في العالم. وهكذا فإن هذا الصراع سوف يغير موازين حسابات قوة الدولة في العالم كله.

تُعرَف قوى الدولة الشاملة بأنها مجموعة من قدرات الدولة المادية والمعنوية لتحقيق مصالحها وأهدافها للتأثير على الآخرين. وتشمل قوة الدولة الشاملة مكونات متعددة مثل القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والجيوستراتيجية (الموقع والمكان)، بالإضافة إلى القوة الناعمة التي تشمل الجوانب الثقافية والفنية، ثم القوة التكنولوجية، والقوى الإعلامية، والقوى المعنوية، وغيرهم. ومن خلال قوى الدولة الشاملة تتخذ الدولة استراتيجيتها وسياستها نحو المستقبل.

وفي العقود الماضية كانت أهم قوة من قوى الدولة الشاملة هي القوة العسكرية، ويكفي أن نقول إنه في عهد الملكية كان وصول مدمرة بريطانية إلى الإسكندرية يعني إقالة الوزارة في القاهرة. وظل هذا الحال كما هو عليه، أن القوة العسكرية للدولة هي أهم القوى ، حتى جاء العقد الماضي لكي تتغير الأمور وتصبح القوى الاقتصادية هي من أقوى قوى الدولة الشاملة، بل تصبح القوة الأولى، وبعدها تجيء القوى التكنولوجية.

ومن هذا المنطلق كتبت مقالا بهذا المفهوم نُشر في جريدة المصري اليوم ونقلته قناة العربية السعودية، وأكدت فيه ما أعلنته، أن القوة الاقتصادية أصبحت الآن الأهم، بل الأولى، وبعدها القوى التكنولوجية. وهكذا جاءت الأيام لكي تثبت هذا المفهوم. وببساطة، إن الدولة القوية اقتصادية يمكنها إنشاء جيش قوي مزود بأحدث الأسلحة والمعدات، بل إن الدولة الاقتصادية يمكنها أن تدخل في حرب لعدة سنوات. وأبسط مثال على ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي تدخل عامها الرابع، ولولا قوة روسيا الاقتصادية لما استطاعت الاستمرار في تلك الحرب، ولولا دعم دول حلف الناتو لأوكرانيا لما استطاعت الوقوف أمام روسيا في تلك الحرب، حيث إن الاقتصاد الأوكراني لا يستطيع أن يتحمل مدة هذه الحرب.

ثم تجيء القوى التكنولوجية بعد القوى الاقتصادية، حيث إن الأسلحة والمعدات الحديثة أصبحت تعتمد تماما على التكنولوجيا المتطورة. وحتى لو استطاعت دولة ما شراء أسلحة جديدة متطورة وليس لديها قاعدة تكنولوجية في علمائها وأفرادها، فلن تستطيع تشغيل هذه الأسلحة والمعدات المتطورة، ولن تستطيع تطوير هذه الأسلحة طبقا لمطالب الاستراتيجية للدولة مثل زيادة مدى الطائرات المستوردة وزيادة تسليحها وتطوير نظم الاتصالات والشوشرة.

ولعل أبلغ مثال على ذلك أن الثورة التكنولوجية في الهند جعلتها تتفوق على الطائرات الفرنسية الرافال في الحرب الأخيرة بين الهند وباكستان. وهكذا أصبحت القوة التكنولوجية هامة جدا في الأيام القادمة.

ولقد كان البعض يقلل من قيمة القوى الجيواستراتيجية، ولكن الان ظهرت قوة مصر الجيو استراتيجية — فهي أقوى الدول الإفريقية ولديها جزء في آسيا في شبه جزيرة سيناء، وتسيطر على البحر الأحمر وأيضًا جزء هام من البحر المتوسط، ولديها أكبر ممر مائي تجاري في العالم وهو قناة السويس، وقربها جنوبا من أوروبا على خريطة العالم — ولذلك جاء موقعها الفريد لتكون أكبر ممر جوي للطيران وبحري للوصول من أوروبا إلى منطقة الخليج. لذلك احتلت مصر مركزًا متقدمًا في تحديد القوى الجيواستراتيجية للدولة.

ولكن جاء من يقول إنه بنظرة إلى دولة مثل جيبوتي صغيرة الحجم، ولكن بحكم موقعها الجغرافي على مدخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب وتطل على المحيط الهندي وهي جزء هام للدخول إلى أفريقيا من اتجاه الشرق، فجأة تنافست معظم الدول الكبرى عليها لتصبح في هذه الدولة الصغيرة الحجم ست قواعد عسكرية؛ فهناك قاعدة أمريكية وإسبانية وإيطالية وفرنسية وصينية ويابانية، لأنها تستطيع أن تسيطر أيضا على الطريق الملاحي إلى رأس الرجاء الصالح. ورغم قوتها الجيواستراتيجية إلا أنها دولة ضعيفة لأن قوتها العسكرية والاقتصادية والبشرية محدودة للغاية.

وهذا العام ظهر تقييم دول العالم بناءً على هذا التقييم الجديد بأن الولايات المتحدة على رأس القوة العالمية بسبب أنها أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، وتليها روسيا لأنها الثانية عسكريا والثالثة اقتصاديا، أما الصين فتجيء في المركز الثالث لأنها ثالث قوة عسكرية وثاني قوة اقتصادية.

ولكني أقول إن الصراع الاقتصادي الحالي بين أمريكا والصين أصبح غاية في الخطورة، حيث تتقدم الصين اقتصاديا بمعدل عالٍ وسريع، وأعتقد أنه عام 2030 سوف تصبح الصين أكبر قوة اقتصادية في العالم، وبعدها ستتشكل صورة العالم الجديد بالنسبة للقوى الكبرى في العالم.

ولذلك سوف يشهد العالم تغييرات كثيرة عندما تصعد الصين لتكون أكبر قوة اقتصادية في العالم.

كاتب المقال

اللواء أركان حرب الدكتور سمير سعيد محمود فرج

Email: [email protected]

واحداً من أهم أبناء القوات المسلحة المصرية

ولد في 14 يناير في مدينة بورسعيد، لأب وأم مصريين.

تخرج، سمير فرج، من الكلية الحربية عام 1963.

والتحق بسلاح المشاة، ليتدرج في المناصب العسكرية حتى منصب قائد فرقة مشاة ميكانيكي.

تخرج من كلية أركان حرب المصرية في عام 1973.

والتحق بعدها بكلية كمبرلي الملكية لأركان الحرب بإنجلترا في عام 1974، وهي أكبر الكليات العسكرية في المملكة البريطانية،وواحدة من أكبر الكليات العسكرية على مستوى العالم.

فور تخرجه منها، عُين مدرساً بها، ليكون بذلك أول ضابط يُعين في هذا المنصب، من خارج دول حلف الناتو، والكومنولث البريطاني.

تولى، اللواء أركان حرب الدكتور سمير سعيد محمود فرج، ، العديد من المناصب الرئيسية في القوات المسلحة المصرية، منها هيئة العمليات، وهيئة البحوث العسكرية. وعمل مدرساً في معهد المشاة، ومدرساً بكلية القادة والأركان. كما عين مديراً لمكتب مدير عام المخابرات الحربية ورئاسة إدارة الشئون المعنوية.

تتلمذ على يده العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة، إبان عمله مدرساً في معهد المشاة، ومدرساً في كلية القادة والأركان المصرية.

لم تقتصر حياته العملية، على المناصب العسكرية فحسب، وإنما عمل، سمير فرج، بعد انتهاء خدمته العسكرية، في العديد من المناصب المدنية الحيوية، ومنها وكيل أول وزارة السياحة، ورئيس دار الأوبرا المصرية، ومحافظ الأقصر. ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة NatEnergy.

وله العديد من الكتب والمؤلفات العسكرية، خاصة فيما يخص أساليب القتال في العقيدة الغربية العسكرية. كما أن له عمود أسبوعي، يوم الخميس، في جريدة الأهرام المصرية ومقال أسبوعى يوم السبت فى جريدة المصرى اليوم.

للمزيد من مقالات الكاتب اللواء الدكتور سمير فرج  إضغط على الرابط التالى 

الرئيسية

الرئيسية