مع التقدم في العمر، لا يقترب معظم البالغين من الكمية الموصى بها من الألياف الغذائية الضرورية لصحة الأمعاء، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على انتشار أحد أكثر أمراض الجهاز الهضمي شيوعًا في الدول الغربية، وهو داء الرتوج (الرداب القولوني – Diverticulosis). وتشير الإحصاءات الطبية إلى أن ما يقرب من ثلثي سكان هذه الدول يُصابون بهذه الحالة بحلول أواخر العمر، وغالبًا دون أن يشعروا بها، رغم ما قد تحمله من مضاعفات خطيرة.
نقص الألياف.. المشكلة الخفية
تُظهر استطلاعات حديثة أُجريت في إنجلترا أن متوسط استهلاك البالغين من الألياف الغذائية لا يتجاوز 18 جرامًا يوميًا، أي ما يعادل نحو 60% فقط من الكمية الموصى بها للبالغين، والمقدرة بنحو 30 جرامًا يوميًا. ويعكس هذا القصور نمطًا غذائيًا فقيرًا بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، وغنيًا بالأطعمة المصنعة.
ما هو داء الرتوج؟
ينشأ داء الرتوج نتيجة تكوّن جيوب صغيرة تبرز من جدار القولون، عندما يؤدي الضغط الداخلي المرتفع إلى دفع المناطق الضعيفة من الجدار إلى الخارج. وغالبًا ما تتشكل هذه الجيوب في الجزء السفلي من الأمعاء الغليظة، حيث يُخزن البراز قبل خروجه من الجسم.
ويُطلق مصطلح الرتوج (Diverticulosis) على وجود هذه الجيوب دون ظهور أعراض، وغالبًا ما يتم اكتشافها مصادفة أثناء الفحوصات الطبية أو المناظير التي تُجرى لأسباب أخرى. أما في حال تعرض إحدى هذه الجيوب للالتهاب أو العدوى، فتتحول الحالة إلى التهاب الرتوج (Diverticulitis)، وهو وضع مرضي أكثر خطورة.
عندما يتحول الصمت إلى ألم
يتسبب التهاب الرتوج في أعراض قد تشمل:
- ألمًا مستمرًا في أسفل البطن، غالبًا في الجهة اليسرى.
- ارتفاع درجة الحرارة.
- تغيرات في حركة الأمعاء (إمساك أو إسهال).
- شعور بالانتفاخ والغثيان.
وتشير الإرشادات الطبية إلى أن الألم المستمر المصحوب بهذه الأعراض يستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا في اليوم نفسه، خاصة لتجنب المضاعفات مثل الخراجات أو الانسداد المعوي أو النزيف.
وقد نُشرت دراسات حديثة حول هذه الحالة في مجلات طبية مرموقة، من بينها مجلة JAMA، ضمن أبحاث قادتها الدكتورة ليزا إل. ستريت من جامعة واشنطن في سياتل، والتي ركزت على دور النظام الغذائي ونمط الحياة والعوامل الوراثية وميكروبات الأمعاء في تطور المرض ومضاعفاته.

لماذا يظل داء الرتوج مخفيًا؟
تكمن خطورة هذا المرض في كونه صامتًا في أغلب حالاته، ما يدفع الأطباء غالبًا للتركيز فقط على الحالات التي تظهر بمضاعفات حادة. وقد ربطت أبحاث أوروبية وأمريكية طويلة المدى زيادة انتشاره بعدة عوامل، أبرزها:
- التقدم في العمر.
- انخفاض استهلاك الألياف.
- السمنة وزيادة الوزن.
- قلة النشاط البدني.
كما كشف مسح بريطاني حديث أن نسبة ضئيلة فقط من المراهقين والبالغين تلتزم بتناول خمس حصص يومية من الفواكه والخضروات؛ إذ لا يحقق هذا الهدف سوى أقل من 1 من كل 10 مراهقين (11–18 عامًا)، ونحو 1 من كل 5 بالغين فقط.
ويؤدي انخفاض الألياف إلى جعل البراز أكثر صلابة وأصغر حجمًا، ما يضطر القولون إلى الانقباض بقوة أكبر لدفعه، وهو ما يسهم، بمرور السنوات، في تكوّن جيوب جديدة.
النظام الغذائي.. عامل حاسم
ترتبط الأنماط الغذائية التي تزيد من خطر أمراض القلب – مثل الإفراط في تناول اللحوم الحمراء والحبوب المكررة – بزيادة خطر الإصابة بالرتوج ومضاعفاته. وعلى النقيض، تقل معدلات النوبات المؤلمة لدى من يتبعون أنظمة غذائية غنية بـ:
- الحبوب الكاملة.
- الفواكه والخضروات.
- البقوليات.
خرافة المكسرات والبذور
لسنوات طويلة، نُصح مرضى الرتوج بتجنب المكسرات والبذور والفيشار والذرة، خوفًا من تعلق بقاياها داخل الجيوب. غير أن هذا الاعتقاد لم يكن مدعومًا بأدلة علمية قوية.
فقد أظهرت دراسة واسعة شملت نحو 47 ألف رجل أن تناول المكسرات والفيشار ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بالتهاب الرتوج، وليس زيادته. وبناءً على ذلك، تؤكد الإرشادات الحديثة أنه لا داعي لتجنب هذه الأطعمة، ما لم يوصِ الطبيب بخلاف ذلك.

أعراض تستدعي الانتباه
قد تحدث تقلصات خفيفة أو انتفاخ أو تغيرات في حركة الأمعاء لأسباب متعددة، ولا تعني بالضرورة الإصابة بداء الرتوج. لكن استمرار هذه الأعراض أو تكرارها لأسابيع يستوجب التقييم الطبي.
أما الأعراض التالية فتتطلب رعاية عاجلة:
- ألم مفاجئ ومستمر في أسفل البطن.
- حمى شديدة.
- عدم القدرة على إخراج الغازات أو البراز.
- نزيف شرجي غزير.
- دوخة أو علامات عدوى مثل القشعريرة أو الارتباك أو سرعة التنفس.
كيف نحمي صحة الأمعاء؟
الوقاية ممكنة وخطواتها واضحة، وإن كانت تتطلب التزامًا طويل الأمد، وتشمل:
- زيادة تناول الأطعمة الغنية بالألياف.
- شرب كميات كافية من السوائل.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام.
- الامتناع عن التدخين.
ومن النصائح العملية:
- اختيار الخبز والحبوب الكاملة بدلًا من البيضاء.
- استبدال الأرز والمكرونة البيضاء بنظيراتها الكاملة.
- إضافة البقوليات إلى الحساء واليخنات وصلصات المكرونة.
وفي حال صعوبة الوصول إلى الكمية الموصى بها من الألياف عبر الغذاء فقط، يُنصح باستشارة الطبيب أو أخصائي التغذية حول مكملات الألياف المناسبة، بدل الاعتماد على منتجات عشوائية.
ولأن كل جهاز هضمي يختلف عن الآخر، يُفضل لمن لديهم تاريخ سابق من التهاب الرتوج مراجعة فريقهم الطبي قبل استخدام المسكنات، خاصة مضادات الالتهاب غير الستيرويدية.
خلاصة القول
عندما تتكامل التغذية السليمة، ونمط الحياة الصحي، والرعاية الطبية الواعية، يستطيع كثير من المصابين بداء الرتوج – وهو مرض شائع لكنه مهمل – أن يعيشوا حياة طبيعية دون التعرض لنوبات حادة أو مضاعفات خطيرة.


