منوعات

متحف “متحف محمد محمود خليل وحرمه” : كنز فني عالمى على ضفاف النيل .. وحين يتحول الشغف بالفن إلى قوة مصر الناعمة

في يوم 21 يناير، 2026 | بتوقيت 1:00 مساءً

لا يُعد متحف محمد محمود خليل وحرمه مجرد قصر يضم لوحات ومنحوتات نادرة، بل يمثل قيمة مضافة حقيقية للقوة الناعمة المصرية، وإحدى الركائز الثقافية التي تعكس انفتاح مصر على الحضارة الإنسانية، وإيمانها العميق بدور الفن في بناء الوعي والجمال والهوية.

يُعد متحف محمد محمود خليل في الجيزة  واحدًا من أهم وأجمل المتاحف الفنية في مصر، ليس فقط لما يحتويه من روائع فنية عالمية، بل أيضًا لكونه تحولًا رائعًا من قصرٍ خاص إلى صرحٍ ثقافي يضيء على مسيرة الفن الحديث.

قصرٌ وفن… قصة تأسيس فريدة

هذا المتحف، المطل على نيل القاهرة من قلب الجيزة، يُصنّف بين أهم المتاحف المتخصصة في العالم، لما يحتويه من مجموعات فنية نادرة تشكّل جزءًا أصيلًا من كنوز الإبداع الإنساني، وتقدم للزائر رحلة بصرية وفكرية عبر مدارس الفن العالمي.

محمد محمود خليل بك… رجل دولة بصحبة روح فنان

وُلد محمد محمود خليل بك عام 1877 لأب مصري وأم يونانية، ونشأ في بيئة متعددة الثقافات أسهمت في تشكيل وعيه وانفتاحه المبكر. التحق بالمدرسة الفرنسية في القاهرة، ثم سافر إلى باريس عام 1897 لدراسة القانون في جامعة السوربون، حيث بدأت علاقته العميقة بالفنون الأوروبية.

عاد خليل إلى مصر ليشغل مواقع بارزة في الحياة السياسية، فعمل عضوًا ثم رئيسًا لمجلس الشيوخ المصري بين عامي 1938 و1942، كما تولى وزارة الزراعة عام 1937. غير أن مسيرته السياسية لم تطغَ على شغفه الحقيقي بالفن.

محمد محمود خليل مع الملكة فريدة في افتتاح معرض في المركز الثقافي الفرنسي يضم النحاتين الفرنسيين من القرن التاسع عشر، 25 فبراير 1939

كان من أوائل الداعين إلى دعم الفنون الجميلة، فشارك مع الأمير يوسف كمال في تأسيس جمعية محبي الفنون الجميلة، وترأسها خلال عشرينيات القرن الماضي، كما تولى رئاسة اللجنة الاستشارية للفنون الجميلة بوزارة المعارف، وأسهم بدور محوري في رسم السياسات الثقافية والفنية للدولة.

ويُحسب له أنه أقنع الملك فؤاد الأول بضرورة إنشاء متحف للفن الحديث، وكلفه الملك بالإشراف على المشروع، كما نظم الجناح المصري في معرض باريس الدولي عام 1937، مقدّمًا أعمال الفنانين المصريين إلى العالم.

تقديرًا لجهوده في تعزيز التبادل الثقافي بين مصر وفرنسا، انتُخب عضوًا في الأكاديمية الفرنسية للفنون الجميلة عام 1949، ليصبح أحد الوجوه الثقافية المصرية المؤثرة دوليًا.

إميليان لوس… المرأة التي جعلت القصر متحفًا

في باريس عام 1903، التقى محمد محمود خليل بالفرنسية إميليان هيكتور لوس، وهي فنانة درست الموسيقى في الكونسرفتوار. لم يكن هذا اللقاء مجرد قصة حب، بل كان تحالفًا ثقافيًا وفنيًا، جمع بين الشغف بالفن واقتناء الأعمال النادرة.

تزوجا في العام نفسه، وعادا إلى مصر ليعيشا في قصرهما المطل على النيل، الذي بُني عام 1915 على الطراز الفرنسي (آرت نوفو)، وكان هدية خليل لزوجته.

محمد محمود خليل بك مع زوجته إميليان لوس في افتتاح معرض لجمعية محبي الفنون الجميلة، إميليان لوس (إلى اليمين) في بيتها، من كتاب حسن عثمان، القاهرة في باريس
محمد محمود خليل بك وإيميليان هيكتور لوس،
إحدى قاعات العرض داخل المتحف، حيث تتجاور روائع الفن العالمي في تناغم بصري يعكس عبقرية التنظيم المتحفي.

لا يُعرف الكثير عن إميليان، سوى نشأتها الفرنسية المتواضعة، وفترة قصيرة من العمل المسرحي، وحبها اللافت للفن والأشياء الجميلة. وقد اشتهرت بولعها بالملابس المصنوعة من الفرو، وهوسها بالمجوهرات التي كانت لا تفارقها في المناسبات.

بعد وفاة خليل، حاولت زوجته الثانية الطعن في ملكية القصر عبر عقد زواج سري ودعوى أبوة، إلا أن إميليان احتفظت بإرثها، وقررت في خطوة بالغة الدلالة أن تهب القصر ومقتنياته للدولة المصرية، ليصبح متحفًا عامًا للفنون.

كنوز فنية نادرة… متحف بحجم العالم

يضم المتحف 304 لوحة فنية لـ143 فنانًا، إلى جانب نحو 50 منحوتة لـ14 فنانًا، ما يجعله واحدًا من أغنى المتاحف الفنية خارج أوروبا.

وتشمل المقتنيات أعمالًا لعمالقة الفن العالمي مثل: فنسنت فان جوخ، بول غوغين، بيير أوغست رينوار، كلود مونيه، هنري دي تولوز لوتريك، إدوارد مانيه، بيرث موريسو، إدغار ديغاس، يوجين ديلاكروا، رودان، روبنز، وفرانز وينترهالتر، وغيرهم.

كما يضم المتحف مجموعات متميزة من الخزف والمزهريات من فرنسا وتركيا وإيران والصين، إضافة إلى تحف صينية دقيقة من الأحجار الكريمة.

ورغم الطابع العالمي الغالب على المجموعة، فإن الأعمال القليلة للفنانين المصريين لا تقل قيمة، ومن بينها أعمال محمود سعيد، محمد حسن، يوسف كامل، طاهر العمري، صاروخان، إدمون صوصة، جورج صايغ، عفيفي، وسعيد الصدر، بما يعكس تفاعل الفن المصري مع التيارات العالمية.

الكاريكاتير… وجه آخر لشغف خليل

في كتابها Les Modernes d’Égypte، تشير نادية رضوان إلى أن محمد محمود خليل كان مولعًا بالكاريكاتير، وجمع عددًا من الأعمال الساخرة.

محمد محمود خليل بك بريشة ألكسندر صاروخان ضمن مقتنيات متحف محمد محمود خليل وحرمه، محمد محمود خليل بك بريشة رخا

ومن أشهرها رسم للفنان الأرمني المصري ألكسندر صاروخان، يصوّر خليل وهو يلوّح بالعلم المصري متطلعًا إلى برج إيفل، في دلالة رمزية على ازدواج انتمائه الثقافي.

وفي رسم آخر للفنان رخا، يظهر خليل أشعث بملابس ممزقة، في إشارة ساخرة إلى ما قيل عن بخله.

من متحف إلى مكاتب… ثم عودة الروح

افتُتح القصر كمتحف لأول مرة عام 1962 تحت رعاية وزير الثقافة ثروت عكاشة.

غير أن المتحف شهد مرحلة صعبة في السبعينيات، حين تقرر تحويله إلى مكاتب رئاسية لقربه من منزل الرئيس أنور السادات.

متحف محمد محمود خليل وحرمه
متحف محمد محمود خليل وحرمه
متحف محمد محمود خليل وحرمه
متحف محمد محمود خليل وحرمه

يروي الدكتور عماد أبو غازي أن والده، وزير الثقافة آنذاك بدر الدين أبو غازي، اعترض على القرار احترامًا لوصية المالكين، التي نصّت على بقاء القصر كمتحف. وبعد تقاعده، أُخلي المتحف ونُقلت مقتنياته مؤقتًا، قبل أن تُعاد لاحقًا في عهد الوزير فاروق حسني، الذي أمر بترميم القصر وإعادة الأعمال إلى مكانها الصحيح.

الأيدي الناعمة… القصر على الشاشة

شهد القصر تصوير فيلم «الأيدي الناعمة» عام 1963، المأخوذ عن مسرحية توفيق الحكيم، وبطولة صباح، أحمد مظهر، صلاح ذو الفقار، ومريم فخر الدين.

فيلم الأيدى الناعمة

جسّد الفيلم صورة الأرستقراطية المصرية بعد الثورة، في تلميح رمزي إلى عالم القصر وسكانه السابقين، ودورهم في المشهد الثقافي والفني بالقاهرة.

زهور الخشخاش… الجرح المفتوح

ظل المتحف مغلقًا عشر سنوات بعد سرقة لوحة فان جوخ الشهيرة «زهور الخشخاش» عام 2010، بعد أن قُطعت من إطارها في وضح النهار. وكانت اللوحة نفسها قد سُرقت عام 1977 ثم استُعيدت بعد عقد كامل.

لوحة زهرة الخشخاش متحف محمود خليل
منحوتات أوروبية نادرة داخل متحف محمد محمود خليل، تمثل مدارس فنية مختلفة وتُبرز تطور فن النحت الحديث.

بدأت أعمال التطوير عام 2014، وشملت تحديث شبكات التهوية والتكييف والكهرباء، وترميم الأعمال الفنية، وإعادة صياغة سيناريو العرض المتحفي، إلى جانب تعزيز منظومة التأمين وفق أحدث المعايير العالمية.

متحف يتجاوز الجدران

اليوم، يقف متحف محمد محمود خليل وحرمه شاهدًا على أن الفن ليس ترفًا، بل أداة وعي وبناء حضاري، وجسرًا يربط مصر بتاريخ الإنسانية وإبداعها.

إنه متحف يحكي قصة شغف شخصي تحوّل إلى إرث وطني، ويؤكد أن الثقافة تظل دائمًا في قلب معركة الوعي.

عبد المقصود محمد عبد المقصود