في الرابع عشر من يناير من كل عام، تحتفل مصر بأبنائها من الآثريين، أولئك الجنود المجهولين الذين نذروا حياتهم لحماية ذاكرة الوطن، وصيانة تاريخه الممتد عبر آلاف السنين.
غير أن الحقيقة التي يجب أن نُقرّ بها، وبكل فخر واعتزاز، أن عيد الآثريين لا ينبغي أن يُختزل في يوم واحد، لأن عطاءهم لا يتوقف، ورسالتهم لا تعرف تاريخًا محددًا أو مناسبة عابرة.
فالآثريون هم حماة التاريخ والآثار بحق، وهم خط الدفاع الأول عن هوية مصر وحضارتها، يعملون في صمت، ويجابهون التحديات في مواقع التنقيب،
تحت شمس حارقة أو في أعماق الأرض، من أجل أن يخرج إلى النور شاهد جديد على عظمة هذا الوطن.
يومًا بعد يوم، يثبت الآثريون أن الحضارة المصرية ليست ماضيًا جامدًا، بل كنزًا حيًا يتجدد بالاكتشاف والعمل الدؤوب والإخلاص.
إن ما يقدمه الآثريون من اكتشافات أثرية متتالية، في مختلف المناطق الأثرية من شمال البلاد إلى جنوبها، لا يمثل فقط إنجازًا علميًا وثقافيًا،
بل هو عمل وطني خالص يعزز مكانة مصر عالميًا، ويؤكد أن هذا الوطن لا يزال قادرًا على إدهاش العالم، بفضل عقول وسواعد أبنائه المخلصين.

ولا يقتصر دور الآثريين على التنقيب والكشف، بل يمتد ليشمل الحفاظ على مقدرات مصر الحضارية، والتصدي لمحاولات العبث أو التهريب، وحماية الشواهد التاريخية التي تمثل ضمير الأمة وذاكرتها الجمعية.
إنهم يحملون مسئولية ثقيلة، ويؤدونها بإخلاص نادر، يستحق كل التقدير والدعم.
من هنا، فإن الاحتفال بالآثريين يجب أن يكون احتفالًا ممتدًا على مدار العام، تقديرًا لدورهم، واعترافًا بتضحياتهم، ودعمًا لرسالتهم النبيلة.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من آثار، بل بمدى قدرتها على حمايتها وصونها، والآثريون هم عنوان هذه القدرة وقلبها النابض.
في عيدكم، نرفع لكم القبعة، ونقولها صادقة من القلب:
شكرًا حماة التاريخ، شكرًا حراس الحضارة، شكرًا من يصونون ذاكرة مصر للأجيال القادمة.
كل عام وأنتم فخر الوطن، وعنوان اقتداره، ودرعه الواقي عبر الزمن.


