في زمنٍ كانت فيه المناصب الكبرى حكرًا على الرجال، شقّت الدكتورة ضياء أبو غازي طريقها بهدوء العلماء وصلابة المؤمنين بالعلم، لتصبح واحدة من أهم الأسماء النسائية في تاريخ علم الآثار والمتاحف في مصر، وواحدة من أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الثقافة والهوية دون ضجيج أو ادعاء.
تمرّ اليوم، 24 يناير 2026، الذكرى الثانية بعد المئة لميلادها (1924)، متزامنة مع مرور 25 عامًا على رحيلها في 10 أبريل 2001، وهي مناسبة تستوجب إعادة تسليط الضوء على سيرة امرأة نذرت حياتها للمعرفة، وحملت المتحف المصري في قلبها قبل أن تحمله في منصبها.





طفولة صنعتها المسؤولية المبكرة
وُلدت ضياء أبو غازي في القاهرة في 24 يناير 1924، لأسرة تقدّر العلم والتاريخ؛ فوالدها محمود أبو غازي كان مدرسًا للتاريخ، لكنه رحل وهي لم تتجاوز العامين، لتتولى والدتها وخالها، المثال الكبير محمود مختار، أحد رموز المشهد الثقافي المصرى مسؤولية تنشئتها. في هذا المناخ المشبع بالثقافة والالتزام، فتشكّلت ملامح شخصية صارمة، دقيقة، شديدة الإخلاص لما تؤمن به، وتربت مبكرة على وجوب الإخلاص للعمل، وهو ما تجسَّد لاحقًا في مسيرتها التي امتدت عقودًا لخدمة المتحف والمكتبة والباحثين من كل أنحاء العالم.
التحقت بالمدرسة السنية للبنات، إحدى أعرق المؤسسات التعليمية آنذاك، قبل أن تلتحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة لاحقًا)، وتتخرج في قسم التاريخ عام 1946.


من مكتبة المتحف إلى قمته
اختارت ضياء أبو غازي أن يكون طريقها هو الآثار، فالتحقت بمعهد الآثار بكلية الآداب، وحصلت على دبلوم الآثار المصرية القديمة، ثم نالت درجة الدكتوراه عام 1966 عن رسالتها حول عبادة الإله رع في الدولة القديمة، تحت إشراف الدكتور عبد الحميد زايد.


في عام 1950 بدأت رحلتها العملية داخل مصلحة الآثار، حيث عملت أمينة مساعدة لمكتبة المتحف المصري، ثم أصبحت أمينة المكتبة نفسها وقسم الدولة القديمة، وكرّست جهدًا استثنائيًا لتطويرها، حتى أصبحت واحدة من أهم المكتبات المتخصصة في علم المصريات بالمنطقة.
كان لقاؤها بمهمة إعداد كتالوج مكتبة المتحف، الذي بدأته مع الدكتور عبد المحسن الخشاب، أثرٌ بالغ في توثيق المراجع، وأكملته رغم رحيل زميلها منفردة بعد وفاته ، ليصبح مرجعًا علميًا مهمًا.


المكتبة… قلبها النابض
ارتبط اسمها ارتباطًا لا ينفصم بمكتبة المتحف المصري، حتى أُطلق اسمها على قاعة الدراسة والاطلاع تكريمًا لجهدها. لكن التكريم لم يكن مجرَّد طقس: فقد كانت ضياء تُؤمن بأن المكتبات هي محيط الذاكرة، فكرّست نفسها لتنظيم وفهرسة وحفظ آلاف المجلدات والوثائق النادرة، وجعلت من مكتبة المتحف قبلة عالمية للمتخصصين. كانت توجه الباحثين، تُرشِدهم إلى المراجع الصعبة، وتُسهِم بصبر العلماء في كل استفسار.
بمبادراتها الببليوجرافية حصرّت ونظّمت ما نُشر عن الآثار المصرية باللغات المختلفة، فسهلت على الأجيال القادمة سنوات من البحث والتتبع. إنّ سلسلة الإصدارات التي أشرفت عليها تُعد اليوم مرجعًا لا غنى عنه لأي متخصص.
أول امرأة تدير المتحف المصري
في عام 1978، كسرت ضياء حواجزًا اجتماعية ومهنية وسجّلت الدكتورة ضياء أبو غازي اسمها في التاريخ، عندما صارت أول امرأة تُدير المتحف المصري؛ وتدرّجت بعد ذلك لمنصب مديرة للمتاحف ثم نائبة لرئيس الهيئة المصرية للآثار قبل تقاعدها عام 1984.
لكنها لم تتوقف عن العمل؛ بل واصلت جهودها في إنشاء المتاحف الإقليمية، وفي تقديم رؤى جعلت للمتاحف دورًا نشطًا في المجتمع، لا مجرد مستودعات للقطع.
لم يكن المنصب هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لخدمة مشروع ثقافي واضح:
- تطوير المتاحف
- دعم النشر العلمي
- توسيع دور المكتبات
- وإنشاء المتاحف الإقليمية في المحافظات
كما كان لها دور بارز في تأسيس متحف المركبات الملكية ببولاق في صورته الأولى، إيمانًا منها بأن المتحف ليس مخزنًا للآثار، بل مساحة للوعي والجمال.

وفاء العلماء… وإحياء الذاكرة المنسية
آمنت ضياء أبو غازي بأن العلم لا يتقدم إلا بالاعتراف برواده، فكرّست جزءًا كبيرًا من جهدها لإحياء ذكرى كبار علماء الآثار والمصريات، وأشرفت على إصدار كتب ودراسات تذكارية عن أعلام مثل: أحمد كمال، سليم حسن، سامي جبره، زكي إسكندر وغيرهم، في محاولة واعية لتأكيد الدور المصري الأصيل في علم الآثار، في مواجهة السرديات الأجنبية المسيطرة.

باحثة، أستاذة، ومُلهِمة أجيال
نشرت خلال مسيرتها عشرات الأبحاث العلمية في مصر وخارجها، وأسهمت بدراسة مهمة عن الآثار والمتاحف ضمن مشروع المسح الاجتماعي الصادر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 1984.
كما شاركت في نشاط العديد من الجمعيات العلمية والثقافية، وكانت عضوًا بمجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وجمعية أصدقاء متحف مختار، وفي الثمانينيات والتسعينيات عملت أستاذة غير متفرغة بجامعة الزقازيق، وأسهمت في الإشراف على رسائل ماجستير ودكتوراه، تاركة بصمتها في أجيال جديدة من الباحثين.نموذج ملهم للمرأة المصرية
لم تكن ضياء أبو غازي مجرد عالمة آثار، بل كانت نموذجًا للمرأة المصرية الطموحة التي كسرت الحواجز وحققت الريادة في مجال صعب.
رحيل الجسد… وبقاء الأثر
رحلت الدكتورة ضياء أبو غازي عن عالمنا في 10 أبريل 2001، لكنها تركت وراءها إرثًا علميًا وإنسانيًا لا يُقاس بالمناصب، بل بما زرعته من قيم: الانضباط، الإخلاص، احترام المعرفة، والوفاء للتاريخ.
صوتها ومبادئها ما زالت تُسمع في رفوف المكتبات وفي أروقة المتاحف.
إنّ تكريس اسمها لقاعة الاطلاع بالمتحف هو أقل ما يمكن تقديمه لشخصية وهبت نفسها للعلم بلا كلل.
وفي ذكرى ميلادها ورحيلها، تبقى سيرتها دعوة مفتوحة لإعادة الاعتبار لرموز مصر الثقافية والعلمية، وتذكيرًا بأن الأمم لا تبنى فقط بالسياسة والاقتصاد، بل أيضًا بالعلماء الذين يعملون في صمت… ويصنعون المجد دون أن يطالبوا به.
نتذكر إنجازاتها التي ستظل محفورة في تاريخ البحث الأثري المصري، شاهدة على دور المرأة في خدمة الحضارة والتراث.









