آثار ومصريات

” سعيد جمال الدين” يكتب : «في عيدهم.. الآثاريون حُرّاس المجد وأُمناء الخلود»

في يوم 10 يناير، 2026 | بتوقيت 9:47 مساءً

الآثاري المصري ليس مجرد باحث في طيات الماضي، بل فنان يستلهم الجمال من عمق التاريخ، وكيميائي يفك شفرات الزمن، ومؤرخ يحفظ رواية المجد للأجيال القادمة. وبسواعد أبنائه من الآثاريين في شتى التخصصات، تظل مصر بحق «أول الدنيا» ومنارتها في صون التراث الإنساني وحمايته.

وبمناسبة عيد الآثاريين المصريين، الذي يوافق الرابع عشر من يناير من كل عام، يحتفي المتحف المصري بالقاهرة بقطعة استثنائية تجسد تلاحم عظمة الماضي مع براعة الحاضر؛ إنه قناع السيدة «تا-دي-حر»، المعجزة الأثرية التي أكدت أن أنامل المرمم المصري هي الحارس الأمين لخلود التاريخ.

قناع السيدة «تا-دي-حر»، المعجزة الأثرية
قناع السيدة «تا-دي-حر»، المعجزة الأثرية
عالم الآثار الراحل الدكتور رمضان بدري حسين

وتحت إشراف عالم الآثار الراحل الدكتور رمضان بدري حسين، وبرؤيته العلمية الثاقبة، شهد عام 2018 كشفًا أثريًا أبهر العالم في منطقة سقارة، يعود إلى الأسرة السادسة والعشرين، حيث تم العثور على ورشة تحنيط كاملة، كان من بين كنوزها قناع السيدة «تا-دي-حر»، كاهنة المعبودات (موت ونوت وشاي). وقد صُنّف هذا الكشف ضمن أهم عشرة اكتشافات أثرية على مستوى العالم.

وأظهرت الفحوصات العلمية المتقدمة، باستخدام جهاز الأشعة السينية المحمولة (XRF)، تفاصيل مذهلة حول القناع؛ إذ صُنع من الفضة بنقاء فائق يتجاوز 99%، ومكسو بطبقة رقيقة للغاية من الذهب. وجاءت العينان مرصعتين بمواد طبيعية شملت الرخام الأبيض، والأوبسيديان، والزجاج الأسود، فيما زُينت باروكة الشعر والحاجبان بالزجاج الملون والعجائن الملونة، وتوّج القناع بنصوص دينية تعكس المذهب الروحي لتلك الحقبة، في تناغم بديع بين اللون والخط والمعنى.

ولم تكن استعادة بريق القناع مجرد مهمة تقنية، بل تحديًا علميًا بالغ الدقة، إذ كان مغطى بتكلسات صلبة من كلوريد الفضة. وبقرار علمي شجاع وفكر مستنير، اعتمد فريق الترميم بالمتحف المصري على التنظيف الميكانيكي الدقيق بدلًا من المحاليل الكيميائية، حفاظًا على طبقة التذهيب الهشة من أي تلف محتمل.

وشملت أدوات هذه الملحمة العلمية أقلام الموجات فوق الصوتية (Ultrasonic Pen)، والمشارط المعدنية، والفِرَر الخشبية، إلى جانب استخدام تقنيات الليزر في مراحل مدروسة، مع تنفيذ جميع الأعمال تحت المجهر، لضمان أعلى معايير الدقة والسلامة.

تحية فخر واعتزاز إلى أبطال قسم الترميم وصيانة الآثار بالمتحف المصري بالقاهرة، وإلى كل يدٍ مصرية أعادت الحياة إلى قطعة أثرية فريدة، لتبقى شاهدًا حيًا على عظمة الأجداد وإخلاص الأحفاد.

كل عام وآثاريّو مصر بخير وفخر.

سعيد جمال الدين