بأقلامهم

الكاتب الصحفى والمؤرخ ” محمد الشافعى ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” : مراد وهبة.. معارك التنوير وسلطان العقل

حين تحوّلت الفلسفة إلى موقف.. والعقل إلى ساحة اشتباك

في يوم 10 يناير، 2026 | بتوقيت 3:00 مساءً

لم تكن الفلسفة عند الدكتور مراد وهبة ترفًا ذهنيًا، ولا لعبة لغوية، ولا تمرينًا أكاديميًا معزولًا عن الواقع، بل كانت موقفًا أخلاقيًا وفكريًا من العالم. فمنذ أن اكتمل تكوينه المعرفي، انتقل من مرحلة التعلّم إلى مرحلة الاشتباك، حيث صار العقل سلاحه الوحيد في مواجهة الخرافة، والأصولية، ووهم امتلاك الحقيقة.

ابن رشد العصر الحديث

العقل والتأويل في مواجهة الدوجماطيقية

اتخذ مراد وهبة من ابن رشد بوصلة فكرية لا تحيد، ورأى فيه النموذج الأعلى للفيلسوف الذي رفع سلطان العقل، ودافع عن حق التأويل، ورفض تكفير المختلف. وكان يؤكد دائمًا أن فلسفة ابن رشد، التي وُلدت في القرن الثاني عشر، كانت من أهم الجذور المؤسسة للتنوير الأوروبي.

من هنا جاءت قناعته بأن أزمتنا المعاصرة ليست في غياب النصوص، بل في تعطيل العقل، وأن وهم امتلاك الحقيقة المطلقة – أو الدوجماطيقية – يمثل العائق الأكبر أمام التفلسف، والحوار، والتعايش. وكان يرى أن تقديم التاريخ دون تأويل يؤدي إلى الكسل العقلي، ويغلق أبواب المستقبل.

المثقف العضوي.. الفلسفة في قلب المجتمع

جسّد مراد وهبة نموذج المثقف العضوي الذي لا يكتفي بالتنظير، بل ينخرط في قضايا مجتمعه، وينتقل بفكره من الدائرة الوطنية إلى الإقليمية ثم العالمية. شارك في عشرات المؤتمرات والمؤسسات المعنية بالفلسفة والثقافة، مؤمنًا بأن الفكر لا يكتمل إلا بالحوار والانفتاح.

ورغم حضوره الدولي، لم ينفصل يومًا عن قضايا المجتمع المصري، بل ظل يرى أن الفلسفة يجب أن تُمارَس في الشارع، والجامعة، والصحافة، لا أن تُحتجز في قاعات النخبة.

العلمانية والتنوير

تفكيك الخرافة لا معاداة الدين

دافع الدكتور مراد وهبة عن العلمانية بوصفها شرطًا للتنوير، لا باعتبارها عقيدة مضادة للدين، بل باعتبارها منهجًا لتحرير العقل من الخرافة والفكر الأسطوري. وكان يميّز بوضوح بين العلمانية كمعتقد، والعلمانية كأسلوب حياة يقوم على احترام العقل، وحرية الضمير.

وحذّر من الأصولية الدينية التي ترفض إعمال العقل بدعوى التمسك بحرفية النص، مؤكدًا أن هذا المسار لا يؤدي إلا إلى حجب المستقبل، وقد يتحول إلى إرهاب فكري أو جسدي ضد المخالفين.

الرأسمالية الطفيلية والأصولية

تحالف التخلف

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، تنبأ مراد وهبة مبكرًا بخطورة التحالف بين الرأسمالية الطفيلية والأصولية الدينية، معتبرًا أن كليهما وجهان لعملة واحدة. فالرأسمالية غير المنتجة، القائمة على تجارة المخدرات والسلاح وغسيل الأموال، تحتاج إلى خطاب ديني متشدد يعطّل العقل ويبرر القهر.

وخلال مشاركته في مؤتمرات فلسفية بالولايات المتحدة، لم يتردد في مصارحة بعض المفكرين الغربيين بأن دعمهم لمصر بعد فك الارتباط مع الاتحاد السوفييتي سيشجع هذا التحالف الخطير، فجاءه الرد صادمًا: «هذا أمر مقصود».

معركة التعليم.. من الحفظ إلى الإبداع

احتلت قضية التعليم قلب مشروع مراد وهبة التنويري. فقد رفض التعليم القائم على الحفظ واستدعاء الذاكرة، ودعا إلى تعليم يركز على الفهم، والربط، والإبداع، خاصة في عصر أصبحت فيه المعلومات متاحة بضغطة زر.

فرّق بوضوح بين ذكاء الذاكرة وذكاء الإبداع، ورأى أن التعليم الحقيقي هو القادر على تكوين علاقات جديدة بين المعارف لتغيير الواقع. واقترح امتحان الطلاب داخل المكتبات، والاعتماد على المراجع بدل كتاب واحد، وتحويل المحاضرة إلى حوار حيّ بين الأستاذ والطلاب.

ورغم رفض أغلب هذه الأفكار آنذاك، فإن الدولة أخذت لاحقًا ببعض أطروحاته، وكان من بينها إنشاء المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي.

الدولة والسلطة

من عبد الناصر إلى صدام السبعينيات

لفتت أفكار مراد وهبة التنويرية أنظار الرئيس جمال عبد الناصر، فعيّنه مستشارًا لشئون التعليم في أبريل 1970. وكان لعب دورًا محوريًا في إلغاء قرار وزير التعليم بإلغاء تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية، بعد أن انتقد القرار في صحيفة وطني.

كما برز دوره في مجلة الطليعة، التي كانت منبرًا لليسار المصري، حيث أشرف على ملحق الفلسفة والعلم، وناقش قضايا التكنولوجيا، والمرأة، ونسق القيم. غير أن هذا الدور أدخله في صدام مع السلطة لاحقًا، خاصة بعد اتهامه باستخدام الفلسفة للانقلاب على نظام الحكم، ما انتهى بفصله من الجامعة في عهد السادات.

الدكتور مراد وهبة

المؤسسات والمؤتمرات

التنوير بالفعل لا بالشعارات

لم يكتفِ مراد وهبة بالكتابة، بل بادر بتأسيس مؤسسات فكرية، من بينها جمعية ابن رشد لمواجهة الفكر الأصولي بالعقلانية، والجمعية الفلسفية الأفروآسيوية، وساهم في الاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية، وكان أول مصري وعربي يُنتخب فيه.

كما أقام مؤتمرات لربط الفلسفة بالمجتمع، من أشهرها مؤتمر «الفلسفة ورجل الشارع» عام 1983، في تجسيد عملي لفكرته عن نزول الفلسفة من برجها العاجي إلى الواقع.

الكتب والرؤى

مشروع بلا ادعاء امتلاك الحقيقة

لم يزعم مراد وهبة يومًا أنه صاحب نسق فلسفي مغلق، لكنه قدّم رؤى فلسفية متماسكة تمحورت حول الدفاع عن العقل، والعلمانية، والحرية. ومن أبرز مؤلفاته:
قصة الفلسفة – فلسفة الإبداع – جرثومة التخلف – سلطان العقل – مفارقة ابن رشد – مستقبل الأخلاق وغيرها.

جائزة النيل.. اعتراف متأخر

في عام 2018، حصل الدكتور مراد وهبة على جائزة النيل، تتويجًا لمسيرة فكرية طويلة، واعترافًا متأخرًا بحق فيلسوف دفع ثمن أفكاره تهميشًا وإقصاءً، لكنه لم يتراجع يومًا عن الدفاع عن العقل.

لماذا نحتاج مراد وهبة اليوم؟

في زمن تصاعد الأصوليات، وتراجع التفكير النقدي، والخوف من السؤال، تبدو أفكار مراد وهبة أكثر راهنية من أي وقت مضى. فقد آمن بأن الفلسفة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية، وأن إنقاذ المستقبل يبدأ من تحرير العقل.

وإذا كان سقراط قد نزل بالفلسفة إلى الشارع، وأفلاطون قد رفعها إلى البرج العاجي، فإن مراد وهبة اختار الطريق الأصعب: أن يجعل الفلسفة ضميرًا حيًا لعصره.

كاتب المقال 

محمد الشافعى  كاتب صحفى ومؤرخ وثق عبر مؤلفاته التى تجاوزت الثلاثين كتابا للبطولات المصرية فى المحطات الفارقة فى تاريخ مصر الوطنى، بين بطولات عسكرية مشرفة للجيش المصرى وكذلك المقاومة الشعبية. وقد أخذ على عاتقه- على مدى الثلاثين عاما- رسالة التأريخ لملاحم البطولة المصرية، وراح يجوب ربوع مصر بحثا عن الجنود المجهولين من أبطال القوات المسلحة وأبطال المقاومة الشعبية. وفى هذا السياق أسفرت جهوده عن هذا العدد الكبير من المؤلفات ومنها «السويس مدينة الأبطال» و«بورسعيد بوابة التاريخ» و«الإسماعيلية أرض الفرسان» و«شموس فى سماء الوطن» و«عبد المنعم رياض فارس الرحلة المستحيلة» و«أمير الشهداء.. مدد يا رفاعى مدد» و«صائدو الدبابات». ويؤكد الشافعى أن رسالته تهدف إلى مقاومة تجريف الوعى الوطنى، وقبل أيام صدر للشافعى كتاب «عبد الناصر حقائق وأباطيل» مع الذكرى الخمسين لرحيل ناصر