
لم تعد مبادرات التحول الرقمي في مصر مجرد استجابة لحاجات سوق العمل أو محاولات لخفض البطالة بين الشباب بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مشروع هيكلي متكامل يستهدف إعادة تشكيل المجتمع نفسه عبر بناء رأس مال بشري رقمي يبدأ من الطفولة المبكرة وينتهي بتخريج نخبة تقنية قادرة على قيادة اقتصاد المعرفة وذلك بالشراكة مع مايكروسوفت وIBM وأمازون وCisco وجوجل وهواوي وغيرهم.
هذا المشروع الذي تتبناه وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ضمن استراتيجية “مصر الرقمية” يقوم على أربع مبادرات رئيسية مترابطة لا تعمل بمعزل عن بعضها بل تشكّل ما يشبه “خط إنتاج بشري” يبدأ من كسر رهبة التكنولوجيا لدى الطفل ويمر باكتشاف الميول ثم الجاهزية لسوق العمل وصولًا إلى إعداد قادة تقنيين على مستوى دولي.
من كسر الرهبة إلى بناء العقل
المرحلة الأولى: مبادرة “براعم مصر الرقمية”
تستهدف مبادرة “براعم مصر الرقمية” الأطفال من الصف الرابع إلى السادس الابتدائي أي في سن يتراوح بين 9 و11 عامًا وهي بذلك تمثل نقطة البداية في مشروع طويل المدى لبناء جيل رقمي.
في هذه المرحلة لا تسعى الدولة إلى تعليم البرمجة بشكل احترافي ولا إلى تخريج مبرمجين صغار بل تركز على هدف أكثر عمقًا وهو إزالة الحاجز النفسي بين الطفل والتكنولوجيا.
يتعرض الطفل لمفاهيم مبسطة في البرمجة والتفكير المنطقي ومبادئ الذكاء الاصطناعي إضافة إلى ثقافة الأمان الرقمي وحماية الخصوصية على الإنترنت.
الدراسة تتم في الأساس بنظام أونلاين وبأسلوب تعليمي خفيف يعتمد على التفاعل والأنشطة دون ضغط أكاديمي بهدف تحويل التكنولوجيا من أداة استهلاك إلى أداة فهم وبناء هذه المرحلة يمكن وصفها بأنها “زرع البذرة” حيث يُعاد تشكيل علاقة الطفل بالكمبيوتر قبل أن يُطلب منه أي اختيار مصيري.
تقليل هدر السنوات قبل الجامعة
المرحلة الثانية: مبادرة “أشبال مصر الرقمية” (DECI)
مع الانتقال إلى مرحلة المراهقة تبدأ الدولة في رفع مستوى التدخل بمبادرة “أشبال مصر الرقمية” التي تستهدف الطلاب من أولى إعدادي حتى ثاني ثانوي في سن يتراوح بين 12 و17 عامًا وهي مرحلة تُعد من أكثر المراحل حساسية في تشكيل المسار التعليمي والمهني.
تشترط المبادرة حصول الطالب على نسبة 90% فأكثر في مواد الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية كشرط أساسي للتقديم على أن يخضع المتقدم بعد ذلك لاختبارات قبول ومفاضلة تُعد المعيار الحاسم للاختيار النهائي وليس المجموع وحده.
تقدم المبادرة مسارات تقنية واضحة تشمل تطوير الويب وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي والفنون الرقمية والروبوتات والأنظمة المدمجة.
نظام الدراسة هجين يجمع بين محتوى أونلاين وتدريب عملي دوري في مراكز تدريب معتمدة بالمحافظات.
الهدف الحقيقي هنا ليس إعداد الطالب لسوق العمل بل مساعدته على اكتشاف ميوله الحقيقية قبل دخول الجامعة وتقليل سنوات الضياع التي يقضيها كثير من الطلاب في تخصصات لا تناسبهم حيث تعد تلك المرحلة “الاكتشاف والتأسيس” التي تعيد توجيه الاختيار الجامعي نفسه.
من الشهادة إلى الدخل
المرحلة الثالثة: مبادرة “رواد مصر الرقمية” (DEPI)
تمثل مبادرة “رواد مصر الرقمية” الحلقة الأوسع عدديًا والأكثر مباشرة في تأثيرها الاقتصادي تستهدف المبادرة طلاب الجامعات من مختلف الكليات بدءًا من السنة الثانية وكذلك الخريجين دون حد أقصى للعمر.
تركز المبادرة على تحويل المعرفة النظرية إلى مهارة عملية قابلة للتوظيف أو العمل الحر وتشمل المسارات المطروحة تطوير البرمجيات وتحليل البيانات والتسويق الرقمي والفنون الرقمية وإدارة المشروعات.
الدراسة تتم بنظام مرن، أونلاين ومسائي بما يسمح بالجمع بين التعلم والعمل وتعتمد المبادرة بشكل واضح على ربط المتدرب بسوق العمل سواء من خلال التوظيف في القطاع الخاص أو من خلال العمل الحر وتصدير الخدمات الرقمية دون تقديم أي ضمانات بدخل أو وظيفة. فالدولة تفتح الباب لكن العائد النهائي مرتبط بالجهد الفردي هذه المرحلة تمثل نقطة التحول من التعليم إلى الجاهزية الاقتصادية.

صناعة النخبة التقنية
المرحلة الرابعة: مبادرة “بُناة مصر الرقمية” (DEBI)
في قمة الهرم تأتي مبادرة “بُناة مصر الرقمية” وهي الأكثر انتقائية والأعلى تكلفة والأشد صرامة تستهدف المبادرة خريجي آخر خمس سنوات من كليات محددة تشمل الهندسة والحاسبات والمعلومات والعلوم والفنون الجميلة والتطبيقية والتجارة والاقتصاد على أن يكون المتقدم حاصلًا على تقدير عام جيد جدًا فأعلى (GPA 3.0) باعتباره المعيار الأساسي للفرز.
تشترط المبادرة التفرغ الكامل لمدة 12 شهرًا مع توقيع إقرارات قانونية وتمنح المتدرب مكافأة مالية شهرية كبدل تفرغ إضافة إلى تجهيزات تقنية وتدريب لغوي وقيادي مكثف.
وعلى عكس الاعتقاد الشائع لا تمنح المبادرة ماجستيرًا أكاديميًا تقليديًا بحثيًا بل درجة ماجستير مهني (Professional Master’s Degree) تركز على التطبيق العملي وسوق العمل وتُقدم ضمن برامج تدريبية متقدمة بالتعاون الأكاديمي مع جامعات عالمية مرموقة وبإشراف مباشر من أعضاء هيئة تدريس أجانب.
تشمل الجامعات الشريكة في مسارات مبادرة “بُناة مصر الرقمية” جامعات كندية على رأسها University of Ottawa وQueen’s University لمسارات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات إلى جانب University College Cork في أيرلندا لمسار الفنون الرقمية وUniversiti Sains Malaysia لمسارات تحليل الأعمال والتكنولوجيا المالية فضلًا عن Pusan National University في كوريا الجنوبية للمسارات الهندسية والتكنولوجية المتقدمة.
والهدف هنا ليس التوظيف المباشر ولا التكليف الحكومي بل إعداد كوادر قادرة على قيادة فرق تقنية وتصميم أنظمة معقدة وإدارة مشروعات رقمية ضخمة داخل القطاع الخاص المحلي والدولي.
كرياتيفا.. حين يلتقي عبق التاريخ بتكنولوجيا المستقبل
إلى جانب المبادرات الأربع التي تُشكل العمود الفقري لمشروع بناء الجيل الرقمي أنشأت الدولة ما يمكن اعتباره القاعدة التشغيلية لهذا المشروع والمتمثلة في شبكة مراكز Creativa Innovation Hub المنتشرة في مختلف المحافظات.
هذه المراكز لا تُعد مبادرة تدريب مستقلة ولا برنامجًا تعليميًا بحد ذاته بل تمثل البنية التحتية الميدانية الدائمة التي تعتمد عليها منظومة “مصر الرقمية” في التنفيذ العملي.
تعمل كرياتيفا كحلقة وصل بين الاستراتيجية والتنفيذ فبينما تضع الدولة الأهداف العامة للتحول الرقمي وتقدّم المبادرات المحتوى التدريبي والتأهيلي توفر كرياتيفا المكان والبيئة والتجهيزات التي تسمح بتحويل التدريب إلى ممارسة حقيقية على الأرض.
داخل هذه المراكز تُنفّذ أجزاء كبيرة من برامج “رواد مصر الرقمية” وتُعقد أنشطة وامتحانات وتدريبات عملية لبرامج أخرى تابعة لوزارة الاتصالات كما تُستخدم كمقرات لورش العمل والهاكاثونات وفعاليات التوظيف وربط المتدربين بالشركات العاملة في قطاع التكنولوجيا.
لكن اللافت في تجربة كرياتيفا لا يقتصر على دورها الوظيفي بل يمتد إلى فلسفة المكان نفسها فبدلًا من الاكتفاء بإنشاء مبانٍ حديثة معزولة عن السياق العمراني تبنّت الدولة توجهًا يقوم على إعادة إحياء مبانٍ تاريخية مهملة وتحويلها إلى مراكز للإبداع الرقمي.
أبرز هذه النماذج هو قصر السلطان حسين كامل في مصر الجديدة هذا القصر الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1897 ويُعد تحفة معمارية تمزج بين الطرازين الإسلامي والأوروبي كان يعاني من الإهمال وتراجع حالته الإنشائية على مدار سنوات ومع انتقاله إلى مظلة وزارة الاتصالات خضع لعملية ترميم دقيقة أعادت إليه زخارفه الأصلية ورونقه المعماري قبل أن يُعاد توظيفه كمركز إبداع رقمي.
داخل القصر تحولت القاعات التاريخية إلى قاعات محاضرات في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات بينما أصبحت الغرف الملكية السابقة مكاتب لشركات ناشئة ومجموعات عمل رقمية هذا الدمج بين العمارة التاريخية والتكنولوجيا الحديثة لم يكن مجرد حل عملي بل حمل رسالة معنوية واضحة مفادها أن الشاب الذي يتعلم البرمجة داخل قصر أثري يُعامل باعتباره جزءًا من مشروع وطني له قيمة لا مجرد متدرب عابر.
ولم يقتصر نموذج كرياتيفا على القصور والمباني التراثية في العاصمة بل امتد إلى الجامعات الحكومية في المحافظات في محاولة لتحقيق عدالة جغرافية في إتاحة الفرص.
فقد أُنشئت مراكز كرياتيفا داخل أو بجوار عدد من الجامعات الإقليمية بتصميم موحد وهوية بصرية واحدة بما يضمن توفير نفس مستوى التجهيزات والخدمات للطلاب خارج القاهرة في هذه المراكز يستطيع الطالب الانتقال مباشرة من محاضرته الأكاديمية إلى بيئة عمل رقمية متكاملة يتلقى فيها تدريبًا عمليًا أو يعمل على مشروع خاص أو يبدأ خطواته الأولى في العمل الحر.
لماذا كل هذا الاستثمار؟ الرهان على ميزة الديموغرافيا
يأتي هذا المشروع في ظل واقع ديموغرافي ضاغط حيث يشكل الشباب تحت سن الثلاثين أكثر من نصف السكان في النموذج التقليدي يمثل هذا الرقم عبئًا اقتصاديًا وبطالة محتملة لكن في نموذج اقتصاد المعرفة يتحول إلى ثروة قومية وأداة أمن قومي.
في عالم تتقلب فيه أسعار الموارد الطبيعية تراهن الدولة على مورد لا ينضب وهو العقول فالمبرمج والخبير الرقمي لا يحتاج إلى مصنع أو منجم بل إلى مهارة قابلة للتصدير وعائدها يأتي بالعملة الصعبة دون استنزاف للبنية التحتية حيث تخطط مصر لرفع حجم صادراتها الرقمية إلى 20 مليار دولار في 2030 مقابل نحو 7 مليارات دولار فقط في 2025.
مصر تستثمر في الإنسان
ما يجري في مصر اليوم ليس مبادرات تدريبية منفصلة بل مشروع طويل المدى لإعادة بناء المجتمع اقتصاديًا يبدأ من طفل في التاسعة يتعلم التفكير المنطقي ويمر بمراهق يكتشف ميوله التقنية وشاب يحول مهارته إلى دخل وينتهي بخبير يقود منظومات رقمية معقدة.
رهان استراتيجي على الإنسان وعلى اقتصاد لا يعتمد على ما تحت الأرض بل على ما داخل العقول.



