لم يعد خافيًا على أحد داخل الوسط الصحفي أن بعض القائمين على إدارة الملف الإعلامي في عدد من الوزارات والمؤسسات الحكومية باتوا يتعاملون مع الصحافيين بمنطق شخصي بحت، يقوم على مبدأ «أحب وأكره»، لا على أسس المهنية أو تكافؤ الفرص أو احترام حق الجميع في الوصول إلى المعلومة.
والمؤسف أن هذا النهج أخذ في الانتشار وكأنه فيروس إداري وإعلامي، أصاب بعض المسؤولين عن التواصل مع الصحافة، حتى أصبح الصحفي يُقيَّم أحيانًا ليس بمهنيته أو تاريخه أو قدرته على التغطية والتحليل، وإنما بدرجة قربه أو بعده من المسؤول الإعلامي.
وفي مقدمة هذه النماذج، يبرز ما يحدث داخل وزارة السياحة والآثار، حيث تتبع السيدة نيفين العارف، المستشارة الإعلامية للوزارة، أسلوبًا شديد الخصوصية في إدارة العلاقة مع الصحفيين المعنيين بتغطية القطاع السياحي والأثري، وهو أسلوب قائم — للأسف — على الانتقائية والتصنيف، لا على المهنية والحياد.
الخبرة لم تعد معيارًا
المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف وجهات النظر، فهذا أمر طبيعي في العمل الصحفي، وإنما في غياب الإدراك بأن الإعلام شراكة، وليس ساحة لتصفية الحسابات أو توزيع الرضا والغضب.
فعلى مدار أكثر من أربعين عامًا من العمل الصحفي في تغطية النشاط السياحي، تعاملنا مع وزراء ومسؤولين كبار، بداية من الراحلين وجيه شندي وفؤاد سلطان، مرورًا بالدكتور ممدوح البلتاجي، وأحمد المغربي، وزهير جرانة، ومنير فخري عبد النور، وهشام زعزوع في دورتيه، وخالد رامي، والراحل يحيى راشد، وغيرهم، ولم نشهد يومًا هذا الأسلوب القائم على التمييز بين الصحفيين أو فرض حالة من «الولاء الشخصي» للمسؤول الإعلامي.
كانت العلاقة دائمًا تُبنى على الاحترام المتبادل، وكان الصحفي شريكًا في النجاح، وناقلًا للصورة، وصاحب دور حقيقي في دعم القطاع السياحي، خاصة في الأوقات الصعبة التي مرت بها السياحة المصرية.
أما اليوم، فقد أصبح اختيار المدعوين لتغطية الأحداث أو المشاركة في الفعاليات يتم — في كثير من الأحيان — وفقًا لقوائم تفضيل شخصية، لا وفقًا للخبرة أو التخصص أو العدالة المهنية.
يكفي أن تصدر التعليمات للمكتب الإعلامي، حتى تتحرك الدعوات نحو «القائمة المفضلة»، بينما يتم استبعاد آخرين فقط لأنهم لا يصفقون، أو لا يقدمون فروض الطاعة، أو يملكون رأيًا مختلفًا.
الإعلام ليس «شللية»
المؤلم أن بعض الزملاء يُزج بهم — دون ذنب — في معارك لا علاقة لهم بها، فيظهرون وكأنهم طرف في حالة الاستقطاب القائمة، بينما الحقيقة أن كثيرين منهم يؤدون عملهم المهني الطبيعي.
لكن الأزمة الحقيقية تبقى في عقلية الإدارة ذاتها، التي تتعامل مع الصحفيين باعتبارهم إما «موالين» أو «مغضوبًا عليهم»، وهي معادلة خطيرة تهدم فكرة الإعلام المؤسسي من جذورها.
فالعمل الإعلامي لا يُدار بمنطق «الشللية»، ولا بمنح الامتيازات لمن يوافقون على كل شيء، أو معاقبة من يطرحون النقد أو الملاحظات.
الإعلام الحقيقي يقوم على التنوع، وتعدد الرؤى، وإتاحة المعلومات للجميع دون تمييز.
من الشراكة إلى التهميش
للأسف، وبعد ضم الآثار إلى وزارة السياحة، تبدلت أمور كثيرة داخل المشهد الإعلامي السياحي، وأصبح عدد كبير من الصحفيين المتخصصين يشعرون بأنهم خارج دائرة الاهتمام، مهما بلغت خبراتهم أو تاريخهم المهني، بينما يتم تصعيد آخرين وفقًا لمعادلات القرب والرضا.
لقد تحولت العلاقة — لدى البعض — من علاقة مهنية تقوم على التعاون والاحترام، إلى علاقة أقرب إلى منح «البركات» لمن يلتزمون بالصمت أو يسيرون وفق ما يُملى عليهم، بينما يُلقى المختلفون في قوائم التهميش والاستبعاد، وكأن المطلوب من الصحفي أن يقدم فروض الولاء للمستشار الإعلامي حتى ينال حقه الطبيعي في أداء عمله.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ لأن الصحافة لا تُدار بالأهواء الشخصية، ولا بالمزاج، ولا بمنطق «هذا معنا وهذا ضدنا»، بل بالقواعد المهنية التي تحترم الجميع دون استثناء.
بيانات صحفية بلا روح
ومن المؤسف أيضًا أن الإعلام السياحي، الذي كان يومًا أحد أهم أدوات دعم القطاع، تحول في السنوات الأخيرة إلى مجرد بيانات صحفية متكررة، فقيرة مهنيًا، تخلو من التفاصيل والزوايا الصحفية الحقيقية، حتى بات كثير من الصحفيين يعزفون عن التعامل معها لأنها لا تضيف جديدًا ولا تساعد على إنتاج محتوى مهني محترم.
لقد كان الإعلام في فترات سابقة شريكًا أصيلًا في صناعة الحدث السياحي، وفي الترويج لمصر، وفي إدارة الأزمات، وفي استعادة الثقة الدولية بالقطاع.
أما الآن، فقد تراجع هذا الدور بشكل ملحوظ، نتيجة غياب التواصل الحقيقي، وسيطرة عقلية الإقصاء والانتقاء.
الوزير الغائب عن المشهد الإعلامي
والأكثر غرابة أن الوزير نفسه يبدو بعيدًا عن تفاصيل هذا الملف، فلا يتدخل لتصحيح المسار، ولا يضع الإعلام ضمن أولوياته، رغم أن الوزارة تُدير أحد أهم القطاعات الحيوية المرتبطة بصورة الدولة المصرية أمام العالم.
ففي الوقت الذي ينشغل فيه الوزير بسفرياته واجتماعاته، تُترك إدارة العلاقة مع الصحفيين بالكامل لرؤية فردية، تنتج حالة متزايدة من الاحتقان داخل الوسط الصحفي السياحي، دون وجود آلية حقيقية للاحتواء أو التصحيح.
لقد أصبح الإعلام بالنسبة للبعض مجرد وسيلة لنشر بيانات رسمية مكررة، بينما غابت روح الحوار والانفتاح والتفاعل الحقيقي مع الصحفيين المتخصصين الذين كانوا يومًا أحد أهم أدوات دعم القطاع السياحي والدفاع عنه في أحلك الظروف.
الأزمة ليست شخصية
هذه الكلمات ليست تصفية حسابات، ولا خلافًا شخصيًا مع أحد، وإنما صرخة مهنية دفاعًا عن قيمة الصحافة ودورها، وعن حق الصحفيين في معاملة عادلة ومحترمة، بعيدًا عن التصنيفات الشخصية والمواقف المزاجية.
فالصحفي لا يطلب امتيازات، ولا يبحث عن عطايا، وإنما يريد فقط احترام مهنته، وتقدير خبرته، وإتاحة الفرصة له لأداء عمله دون تمييز أو إقصاء.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في فلسفة إدارة الملف الإعلامي داخل بعض الوزارات، لأن استمرار سياسة «أحب وأكره» لن ينتج إعلامًا قويًا، ولن يصنع حالة من الثقة أو التعاون، بل سيزيد الفجوة بين المؤسسات الرسمية والصحافة، وهي فجوة لا تخدم أحدًا.
النهاية.. قبل أن يسقط ما تبقى من الثقة
إن استمرار هذا النهج القائم على الانتقائية، وتوزيع الرضا والغضب، والتعامل مع الصحفيين بمنطق «المقربين والمبعدين»، لا يمكن أن يصنع إعلامًا محترمًا، ولا وزارة تمتلك جسور ثقة حقيقية مع الصحافة.
فالمناصب لا تدوم، والكراسي تتغير، لكن التاريخ المهني يبقى شاهدًا على الجميع، والوسط الصحفي لا ينسى من احترم المهنة، كما لا ينسى من أساء إليها أو حاول تحويلها إلى ساحة ولاءات شخصية.
لقد أصبح من الضروري أن يدرك بعض القائمين على الملف الإعلامي أن الصحفي ليس تابعًا لأحد، ولا موظفًا داخل مكتب المستشار الإعلامي، ولا باحثًا عن «منحة» أو «رضا» من هذا المسؤول أو ذاك.
فالصحافة المصرية أقدم وأكبر من أن تُدار بعقلية القوائم السوداء والبيضاء، أو بسياسة المكافآت والعقوبات، أو بمنطق «من ليس معنا فهو ضدنا».
وإذا كانت بعض القيادات الإعلامية داخل الوزارات قد توهمت أن بإمكانها إخضاع الصحفيين بسياسة الحصار والاستبعاد والتهميش، فإنها واهمة؛ لأن الكلمة الحرة لا تُشترى، والخبرة المهنية لا تُقصى بقرار، والصحفي الحقيقي لا يبدل قلمه مقابل دعوة أو رحلة أو صورة تذكارية.
إن ما يحدث اليوم داخل بعض المؤسسات لم يعد مجرد خلل إداري عابر، بل أصبح مرضًا يضرب مفهوم الإعلام المؤسسي في مقتل، ويهدم ما تبقى من جسور الثقة بين الدولة والصحافة المتخصصة.
ولهذا، فإن إصلاح هذا المشهد لم يعد رفاهية، بل ضرورة، قبل أن تتحول المكاتب الإعلامية إلى جزر مغلقة تُدار بالأهواء الشخصية، بعيدًا عن المهنية والعدالة واحترام أصحاب الخبرات الذين أفنوا أعمارهم في خدمة هذا الوطن وقطاعاته المختلفة.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ..وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.. وعلى الله العلى القدير قصد السبيل
كاتب المقال
سعيد جمال الدين سرحان
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير لبوابة المحروسة الإخبارية ” المحروسة نيوز “
عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين
مؤسس شعبة الصحافة السياحين بنقابة الصحفيين
عضو جمعية الكتاب السياحيين المصريين
عضو جمعية كتاب البيئة والتنمية
الأمين العام للمنتدى العالمى لخبراء السياحة والسفر والبيئة
الأمين العام لصالون الرواد الثقافى بنقابة الصحفيين
للمزيد من مقالات الكاتب أدخل على هذا الرابط
https://elmahrousanews.com/?s=%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF+%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86+



