آثار ومصريات

شم النسيم.. عيد الحياة المتجدد من جذور الحضارة المصرية إلى بهجة المصريين اليوم

في يوم 13 أبريل، 2026 | بتوقيت 5:29 مساءً

يؤكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن المصري القديم كان صاحب رؤية دقيقة في تنظيم حياته وفقًا لدورات الطبيعة، حيث قسّم السنة إلى ثلاثة فصول رئيسية ارتبطت بالزراعة: فصل الفيضان، وفصل بذر البذور، وفصل الحصاد (الربيع)، وهو ما يعكس عمق ارتباطه بالأرض والنيل ومواسم الخير.

عيد الحصاد.. جذور الاحتفال بالحياة

ترجع احتفالات عيد حصاد القمح في مصر إلى عصور سحيقة، حيث مثّل القمح الغذاء الأساسي للمصريين، وأساس صناعة الخبز. وكان موسم الحصاد الممتد من فبراير حتى يونيو مناسبة للفرح وتجديد الحياة، ليصبح لاحقًا نواة لعيد «شم النسيم» الذي نحتفل به حتى اليوم.

«شم النسيم».. كلمة مصرية خالصة

وفي دراسة أثرية حديثة، يوضح الباحث الأثري عماد مهدي أن تسمية «شم النسيم» تعود إلى أصل مصري قديم، حيث كُتبت في الهيروغليفية بصيغة (شم – سم)، ثم تطورت في اللغة القبطية إلى «شوم سيم» حتى وصلت إلى شكلها الحالي.

  • كلمة «شم» تعني الخروج أو التحرك
  • كلمة «سم» تعني النباتات أو الحدائق

وبذلك يصبح المعنى الكامل «الخروج إلى الحدائق»، وهو ما يتسق مع طبيعة الاحتفال حتى الآن بالخروج إلى الطبيعة واستنشاق الهواء الربيعي.

الحدائق والزهور في وجدان المصري القديم

اهتم المصري القديم بالحدائق والنباتات بشكل لافت، وخلّد ذلك في نقوش المقابر، مثل مقبرة الكاتب «نب أمون» التي تصور بحيرة تتوسط حديقة مليئة بأزهار اللوتس والأسماك، تحيط بها أشجار الجميز والنخيل والتين.

كما عُرفت في مصر القديمة مهنة «كبير البستانيين» ومنسق الزهور المقدسة، ومن أشهرهم «مين نخت» في عهد الملك أمنحتب الثالث، والذي صوّر في مقبرته أروع باقات الزهور، في مشهد يُعد من أقدم وأجمل مشاتل الزهور المصورة في التاريخ.

«ليلة الرؤية».. احتفال فلكي مدهش

يشير الدكتور ريحان إلى أن المصريين القدماء كانوا يحتفلون ببداية العيد من خلال «ليلة الرؤية»، حيث يجتمعون أمام الواجهة الشمالية للهرم الأكبر عند الغروب، ليروا قرص الشمس وكأنه يستقر فوق قمته، في مشهد فلكي مهيب يقسم واجهة الهرم إلى نصفين من الضوء والظل، في دلالة رمزية على بعث الحياة، وهو الاحتفال الذي يعود إلى نحو عام 2700 قبل الميلاد.

الدكتور عبد الرحيم ريحان ، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية

المأثورات الشعبية.. طقوس متوارثة عبر آلاف السنين

البصل.. طارد الأرواح الشريرة

يرتبط تناول البصل بأسطورة فرعونية تعود إلى الأسرة السادسة، حيث شُفي ابن أحد الملوك من مرض غامض باستخدام البصل بعد طقوس دينية، ليصبح تعليق البصل عادة متوارثة لطرد الأرواح الشريرة.

البيض الملون.. رمز الخلق والحياة

يرمز البيض إلى نشأة الحياة، وقد اعتاد المصري القديم نقش الأمنيات عليه وتعليقه في الحدائق لتباركه أشعة الشمس. وانتقلت هذه العادة إلى العالم، حتى أطلق الأوروبيون عليه «بيض الشرق».

الفسيخ.. طعام مقدس منذ الأسرة الخامسة

ارتبط السمك المملح (الفسيخ) بتقديس النيل، حيث اعتبره المصريون رمزًا للحياة القادمة من الماء. وقد أشار المؤرخ الإغريقي هيرودوت إلى عادة تناول المصريين للأسماك المملحة في أعيادهم.

الخس والملانة.. رموز الخصوبة والجمال

  • الخس كان نباتًا مقدسًا مرتبطًا بالمعبود «من» إله التناسل
  • الملانة (الحمص الأخضر) كانت تُستخدم في الزينة وصناعة الحُلي

الياسمين.. عطر الربيع

كان المصريون يتزينون بعقود زهور الياسمين، الذي وصفوه بأنه «عطر الطبيعة»، واستخرجوا منه الزيوت العطرية المستخدمة في الطقوس الدينية.

المستشرقون يرصدون العيد

لفت عيد شم النسيم أنظار الرحالة والمستشرقين، ومنهم الإنجليزي إدوارد وليم لين الذي زار القاهرة عام 1834، ووصف احتفال المصريين بخروجهم إلى الريف والتنزه في النيل واستنشاق النسيم، مؤكدًا اعتقادهم بفوائده الصحية، وهي عادات ما زالت مستمرة حتى الآن.

«دمية اللنبي».. طقس وطني في بورسعيد

في مدينة بورسعيد، يكتسب العيد طابعًا وطنيًا خاصًا، حيث يحتفل الأهالي بحرق دمية اللورد «اللنبى» المعتمد البريطاني خلال ثورة 1919، في مشهد احتفالي يتضمن «زفة اللنبي» المصحوبة بالموسيقى الشعبية.

وتُختتم الاحتفالات بمائدة شم النسيم التقليدية التي تضم البيض الملون، والفسيخ، والخس، والبصل الأخضر، والملانة، إلى جانب النزهات البحرية على الفالوكة.