في كل عام، تعود إلى الذاكرة تلك اللحظة الفارقة التي استعادت فيها مصر قطعة غالية من أرضها، لتؤكد للعالم أن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها من يدافع عنها بعزيمة وإيمان. ومع احتفال محافظة جنوب سيناء بالذكرى السابعة والثلاثين لعودة طابا، وقيام اللواء الدكتور إسماعيل كمال، محافظ جنوب سيناء، برفع العلم المصري بسارية ساحة العلم، تتجدد في داخلي مشاعر خاصة، وذكريات عشتها لحظة بلحظة، لا كمتابع، بل كشاهد على التاريخ.
بين السلك الشائك والحلم المؤجل
كنت آنذاك مفتشًا للآثار بقلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون في طابا، أعيش تفاصيل المشهد اليومي بين أرض عادت إلى السيادة المصرية، وأخرى ما زالت أسيرة النزاع. كان السلك الشائك يفصل بين الحلم والواقع، بين وطنٍ مكتمل السيادة، وجزءٍ لا يزال ينتظر لحظة التحرر.
كنت أعبر هذا السلك يوميًا، متجهًا لشراء احتياجات موقع التفتيش، بالقرب من المنفذ البري الذي يبعد نحو 5 كيلومترات عن الجزيرة. هناك، كنت أقف طويلًا أمام خليج العقبة، أتأمل جماله الأخّاذ، لكن سرعان ما كانت عيناي تمتلئان بالدموع حين تقعان على الجزء المحتل من طابا.
لم يكن المشهد عاديًا.. أشجار الدوم السيناوية، شامخة في مكانها، تؤكد الهوية المصرية، تظلل من اغتصبوا الأرض، وكأنها ترفض الواقع، وتنتظر لحظة الخلاص.


ثلاث ثمرات.. وحكاية وطن
كان حلمي بسيطًا، لكنه عظيم المعنى: أن أجلس يومًا تحت ظل أشجار الدوم، وهي ترفرف تحت راية مصر.
وجاء اليوم المنتظر.. 19 مارس 1989.
في تلك اللحظة، رُفع العلم المصري على طابا، ودخلت إلى منطقة أشجار الدوم، وجلست تحت ظلها لأول مرة وهي مصرية خالصة. لم تكن مجرد لحظة انتصار، بل كانت لحظة امتزج فيها التاريخ بالمشاعر، والجغرافيا بالانتماء.
وكأن الحب لم يكن من طرفي فقط، فقد بادلتني الأشجار هذا الشعور، وأهدتني ثلاث ثمرات دوم، تساقطت بجانبي، فاحتفظت بها حتى اليوم.
ثلاث ثمرات تحولت إلى وثيقة معنوية، أحكي من خلالها للأجيال قصة وطن، وقصة انتصار لم يكن عسكريًا فقط، بل دبلوماسيًا وقانونيًا وإنسانيًا.
شجر الدوم.. شاهد السيادة
تقع أشجار الدوم حتى اليوم بالقرب من ساحة العلم بمدينة طابا، على شاطئ خليج العقبة، وهي ليست مجرد أشجار، بل وثائق حية تثبت السيادة المصرية.
خلال فترة الاحتلال، حاول الحاكم الإسرائيلي شراء هذه الأشجار بمبالغ طائلة من الشيخ مسمح كبيش، شيخ قبيلة الأحيوات، لكنه رفض رفضًا قاطعًا، قائلاً كلمته الخالدة:
“أشجار الدوم ليست ملكًا لبدو سيناء فقط، بل هي ملك لكل المصريين.”
كان الهدف واضحًا؛ تحويل ملكية الأشجار إلى مستند قانوني يُستخدم أمام محكمة العدل الدولية لإثبات أحقية مزعومة في الأرض. لكن وعي أبناء سيناء أفشل هذا المخطط.
بطولات سيناوية صنعت الفارق
لم تكن معركة طابا مجرد نزاع حدودي، بل ملحمة وطنية شارك فيها أبناء سيناء ببطولة نادرة.
فقد امتلك الشيخ مسمح الكبيش صكًا عثمانيًا يثبت ملكية أشجار الدوم، وهو ما كان دليلًا حاسمًا في إثبات الحق المصري.
ورغم محاولات الإغراء والضغط، بل ومحاولات الاعتقال، رفض التفريط في هذا الدليل، وسلمه للقوات المسلحة المصرية، ليصبح أحد أهم الأدلة التي دعمت الموقف المصري.
يوم النطق بالحكم.. لحظة لا تُنسى
لن أنسى ذلك اليوم: 29 سبتمبر 1988، في جنيف.
حين دخلت هيئة المحكمة برئاسة القاضي السويدي
جونار لاجرجرين
لتعلن الحكم التاريخي.
جاء القرار بأغلبية أربعة أصوات مقابل اعتراض واحد، ليؤكد أن علامة الحدود 91 تقع وفق الرؤية المصرية. كان الحكم انتصارًا للحق، وللعلم، وللصبر المصري الطويل.
وفي 19 مارس 1989، تُوّج هذا الحكم برفع العلم المصري على طابا، لتعود الأرض إلى أصحابها.
رسالة إلى الأجيال
إن ملحمة طابا ليست مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل درس حي في الانتماء، والتضحية، والإصرار على استرداد الحقوق.
هي قصة يجب أن تُروى، وتُدرّس، وتُجسد في أعمال فنية تليق بعظمة أبطالها.
ومن الواجب أن تُخلّد أسماء هؤلاء الأبطال، وفي مقدمتهم يونان لبيب رزق صاحب كتاب “طابا قضية العصر”، واللواء البحري محسن حمدي، وكل من ساهم في هذه الملحمة الوطنية.
ختامًا: حين تتكلم الأرض
طابا ليست مجرد بقعة جغرافية، بل رمز لمعنى الوطن.
وأشجار الدوم ليست مجرد نباتات، بل شهود على تاريخ، وعلى حب لا يموت.
أما أنا، فما زلت أحتفظ بثلاث ثمرات دوم، ليست فقط ذكرى شخصية، بل عهد متجدد بأن نحكي للأجيال قصة وطن لا يفرط في أرضه، ولا ينسى تضحيات أبنائه.



