في أروقة السياسة الدولية، لا يعد الفارق بين “القائد الواثق” و”الحاكم المتغطرس” مجرد خلاف في وجهات النظر، بل هو هوة سحيقة تفصل بين الديمقراطية والثيوقراطية السياسية. تبدأ القصة دائماً بـ الغرور؛ تلك البذرة الصغيرة التي تنمو في الخفاء، ثم تتفرع لتصبح عجرفة تمارس على الأتباع والخصوم، وصولاً إلى الحالة الأخطر: التألة (Hubris)، حيث يعتقد السياسي أنه لم يعد بشراً يخطئ ويصيب، بل قدراً لا يرد، وإرادة فوق القانون. الغرور في جوهره هو انقطاع عن الواقع. في الحالة الأمريكية، نجد أن النظام الرئاسي المصمم لمنح الرئيس سلطات تنفيذية واسعة، قد يتحول إلى “مصيدة نرجسية”. عندما يحيط الرئيس نفسه بـ “بطانة” لا تجيد إلا قول “نعم”، يبدأ الغرور في تآكل قدرته على النقد الذاتي.
إن الغرور هنا ليس مجرد “حب للنفس”، بل هو استبدال الحقائق الموضوعية بالرغبات الذاتية. حين يقول الرئيس “أنا الوحيد الذي يملك الحل”، فإنه يعلن رسمياً ولادة “النرجسية السياسية” التي تسبق العاصفة.
فتصريحات انا احيي واميت وبيدي انا امنحك الحياة وارسلك للاخرة هو ما دعي السلطة الامريكية والاسرائيلية تقتل الرؤساء والقادة والساسة البارزين عند خصومهم وامهال الباقين الحياة ليعتبروا ، وهو ما دعي من قبل قادة التتار والبرابرة حرق وتدمير البلاد وغطرسة الاقوال بعد الاغتيالات للحكام والاتباع والقادة – عندما نريد ان نتكلم معكم نتكلم مع من ؟
للاسف سمعناها من القيادة الامريكية اخيرا بعد ان عكفت علي قتل المراجع الدينية والرئاسية وقادة الجيش والوزراء – الي ان يتبح البعض ويقول عندما نريد ان نتحدث معكم – نتحدث مع من ؟
ويثاق غرورهم ان يمهلوا البلاد الزمن قبل ان يحرموها من كافة مقومات الحياة النور والماء والطعام وتدمير كل مفاصل الدولة التعليمية من مدارس الاطفال للجامعة وكل مصادر الطاقة والمصانع – والتهديد بحرق الارض ومن عليها – انها غطرسة من يتصور نفسه الها – يؤمر فيطاع .
إذا كان الغرور شأناً داخلياً، فإن العجرفة هي وجهه الخارجي. في العقدين الأخيرين، شهدت السياسة الأمريكية نماذج صارخة للعجرفة السياسية؛ سواء في التعامل مع الحلفاء الأوروبيين أو في فرض الإملاءات على المنظمات الدولية.
العجرفة هنا تظهر في “الاستعلاء الثقافي والسياسي”، حيث يتم تصنيف العالم إلى “تابع” أو “عدو”. هذه الحالة ليست مجرد سوء أدب دبلوماسي، بل هي استراتيجية تهدف إلى كسر إرادة الآخر وتحويله إلى أداة في مشروع “الأنا” الرئاسية.
المصطلح اليوناني Hubris كان يصف البطل الذي يتحدى الآلهة فيصيبه العمى عن رؤية نهايته. في السياسة الحديثة، “التأله” هو اعتقاد الرئيس أن منصبه يمنحه “عصمة” من المحاسبة القانونية أو الأخلاقية.
عندما نراقب الصراعات حول “الحصانة الرئاسية” في الولايات المتحدة، أو محاولات القادة الالتفاف على الدستور لضمان البقاء في السلطة، فنحن أمام عملية “تأليه” للمنصب. الرئيس هنا لا يرى نفسه موظفاً لدى الشعب، بل يرى نفسه “تجسيداً للأمة”، ومن يعارضه لا يعارض سياسات، بل يخون “الوطن/الإله”.
لا تبدأ الديكتاتوريات بالدبابات في الشوارع دائماً، بل تبدأ أحياناً بـ “انقلاب شعوري” داخل نفس الحاكم، حيث تتحول السلطة من مسؤولية عامة إلى ملكية شخصية مقدسة. إن الثلاثية الخطيرة التي نحن بصدد تفكيكها —الغرور، والعجرفة، والتأله— ليست مجرد مثالب أخلاقية فردية، بل هي ديناميكيات سلطوية قادرة على تآكل أعتى الديمقراطيات من الداخل. في الحالة الأمريكية، نجد أن هذا المسار يتخذ شكلاً فريداً وصادماً، حيث تتصادم نصوص “الدستور” الجامدة مع أهواء “الشخصية” النرجسية التي ترى في الكرسي الرئاسي تفويضاً فوق القانون، أو قدراً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
تبدأ هذه الرحلة الوعرة بـ “الغرور”، وهو المرحلة الجنينية لكل طغيان محتمل، حيث ينفصل الحاكم عن الواقع لصالح صورة ذهنية متضخمة عن ذاته. في الأنثروبولوجيا السياسية، نعرّف الغرور بأنه تضخم “الأنا” لدرجة حجب الرؤية عن الآخر؛ فالسياسي المغرور لا يرى الشعب ككتلة من الأفراد ذوي الحقوق، بل كـ “مرآة” ضخمة لا وظيفة لها سوى عكس عظمته المتخيلة. وفي السياق الأمريكي المعاصر، نجد أن نظام الانتخابات القائم على التمويل الضخم والتركيز الإعلامي المهووس بـ “الكاريزما”، يخلق بيئة خصبة لنمو هذا الغرور. فعندما يبدأ المرشح الرئاسي في استبدال ضمير “نحن” بـ “أنا” المطلقة، مدعياً أنه الوحيد القادر على إنقاذ الأمة، فإنه يضع اللبنة الأولى في جدار العزلة السياسي، حيث يصبح إرضاء الذات مقدماً على المصلحة القومية، ويتحول المستشارون والخبراء إلى مجرد “جوقة مداحين” وظيفتهم الوحيدة هي تغذية وهم العظمة.
وإذا كان الغرور مرضاً داخلياً يسكن الغرف المغلقة، فإن “العجرفة” هي العرض السريري الذي يظهر للعلن بمجرد ملامسة أصابع الحاكم لمقاليد السلطة. العجرفة السياسية هي الغرور وقد تسلح بالقرار السيادي، وتتجلى بوضوح في احتقار المؤسسات والقواعد التي وضعت أصلاً لضبط نزوات البشر. في التاريخ الأمريكي الحديث، رأينا كيف تحولت العجرفة إلى مدرسة دبلوماسية خشنة، لا تعترف بالخطأ، وتتعامل مع القوانين الدولية كـ “توصيات غير ملزمة”، ومع الحلفاء كـ “أتباع” لا شركاء. هذه العجرفة تتجاوز حدود اللياقة لتصبح استراتيجية لكسر إرادة المعارضين؛ فحين يهاجم رئيس أمريكي القضاء، أو يسخر من الصحافة الحرة، أو يصف أجهزة الدولة بالخيانة لمجرد أنها خالفت هواه، فهو يمارس العجرفة في أقصى صورها، معلناً رغبته الصريحة في فك الارتباط بين “الحاكم” و”القانون”، والسعي نحو سلطة “مطلقة” في نظام صُمم بنيوياً لمنع الإطلاق.
هذا المسار المنحدر يصل حتماً إلى قمة الهرم المظلم: “التأله” (Hubris). في الميثولوجيا الإغريقية، كان هذا المصطلح يصف البطل الذي يتحدى الآلهة فيصيبه “العمى الوجودي” عن رؤية نهايته، أما في السياسة الحديثة، فالتأله هو الاعتقاد بأن “الرئيس هو الدولة”. هذا التحول الأنطولوجي يغير كيمياء السلطة، حيث يرى الحاكم نفسه “مخلصاً” (Messiah) مكلفاً بمهمة كونية، مما يمنحه في نظره “عصمة” من المحاسبة القانونية أو الأخلاقية. عندما يتحدث زعيم في البيت الأبيض عن “تطهير” الدولة، ويطالب بالولاء الشخصي المطلق بدلاً من الولاء للدستور، فهو هنا ينزع عن نفسه صفة “البشري” الذي يخطئ ويصيب، ويدعي امتلاك رؤية ثاقبة فوق-مؤسساتية. هذا التأله هو الذي قاد الولايات المتحدة تاريخياً إلى مغامرات عسكرية واجتماعية كارثية، بُنيت على “حدس” القائد الذي توهم أن إرادته هي “القانون الطبيعي” الجديد، وهو ما يضع الديمقراطية الأمريكية في اختبار وجودي بين إرث “الآباء المؤسسين” الذين حذروا من طغيان الفرد، وبين النزعات الشعبوية التي تميل لتقديس “الزعيم الملهم”.
إن مأساة التأله السياسي لا تكتمل إلا بوجود جمهور “يؤلهه”، وهنا تبرز سيكولوجية التبعية؛ فالجماهير التي تعاني من القلق الاقتصادي أو التهميش الاجتماعي، غالباً ما تبحث عن “أب كلي القدرة” يحمل عنها عبء القرار، ولا ترى في عجرفة الزعيم عيباً، بل “قوة” ترهب الأعداء الموهومين. هذا التحالف غير المقدس بين “نرجسية القائد” و”يأس الجمهور” يخلق هالة من القداسة حول المنصب، حيث تصبح المعارضة “كفراً سياسياً”، ويتحول النقد إلى “خيانة”. ومع ذلك، يظل التاريخ مقبرة كبرى للمتألهين الذين ظنوا أنهم فوق سنن التغيير؛ فكما سقط أباطرة الرومان وملوك الحق الإلهي، تسقط الأنظمة التي تبالغ في تضخيم “الفرد” على حساب “المؤسسة”. إن السقوط في الحالة الأمريكية قد لا يكون مادياً دائماً، بل يتجلى في “النمسيس” المعاصرة: تآكل الثقة في العدالة، وتمزيق النسيج المجتمعي، وفقدان الهيبة الأخلاقية عالمياً. في النهاية، تظل الحقيقة ثابتة: الديمقراطية هي اعتراف متواضع بـ “بشرية” الحاكم، وأي محاولة لرفع السياسي إلى مرتبة الألوهية هي في الحقيقة حكم بالإعدام على حرية الشعب، فالدولة التي تسمح لزعيمها بأن يتأله، تحكم على نفسها بأن تعيش في ظل أوهامه، حتى يحين موعد السقوط المروع الذي يطال الهيكل كله.
تستمر متوالية السقوط التاريخي لتكشف أن “التأله السياسي” ليس مجرد انحراف عابر، بل هو قانون كوني ينتهي دائماً بارتطام مروع بالواقع، ولعل النموذج الصارخ الذي يتبادر للأذهان هنا هو أدولف هتلر؛ ذاك الرجل الذي بدأ بـ “غرور” قومي جريح، لينتهي به المطاف في حالة “تأله” دموية لم يشهدها التاريخ الحديث. لقد اعتقد هتلر أن “إرادته” هي المحرك الوحيد للتاريخ، وأن القوانين البيولوجية والجغرافية ستنحني أمام “العرق الآري” الذي نصّب نفسه إلهاً عليه. هذه العجرفة العسكرية هي التي دفعته لتجاهل نصائح جنرالاته وتكرار خطأ نابليون القاتل بغزو الاتحاد السوفيتي في شتاء قارس، مؤمناً بأن “الروح الألمانية” أقوى من الطبيعة. ونهايته في القبو المظلم تحت أنقاض برلين، منتحراً وسط حطام أحلامه “الألفية”، تظل الدرس الأقسى على أن المتأله لا يدمر نفسه فحسب، بل يحرق وطنه معه في محرقة أوهامه.
ولا يبتعد موسوليني عن هذا المشهد، وهو الذي سعى لإعادة إحياء “أمجاد روما” بعجرفة خطابية حاولت طمس حقيقة ضعف آلة الحرب الإيطالية؛ فانتهى به الأمر معلقاً من قدميه في محطة بنزين بميلانو، في مشهد يختصر كيف تتحول “الأنا المتضخمة” إلى جثة منبوذة حين يستيقظ الشعب من سكرة التقديس. وحتى في الشرق، نجد نماذج مثل “بول بوت” في كمبوديا، الذي دفعته عجرفة الأيديولوجيا لمحاولة إعادة عقارب الساعة إلى “السنة صفر”، فقتل الملايين في سبيل تطهير وهمي للمجتمع، لينتهي به المطاف طريداً في الغابات، يموت في عزلة مهينة تحت حراسة من كانوا يقدسونه.
إن هذه النماذج التاريخية، من نيرون الذي عزف فوق حطام روما، إلى نابليون الذي تكسرت نرجسيته فوق ثلوج روسيا، وصولاً إلى نيكسون الذي ظن أن “الرئيس فوق القانون” فلفظته الديمقراطية، تؤكد حقيقة أنطولوجية واحدة: السلطة المطلقة تسبب “عمى الألوان السياسي”. المتأله لا يرى المنعطفات، ولا يشعر باهتزاز الأرض تحت قدميه، لأنه يعيش في “فقاعة صمدية” صنعها غروره وباركتها حاشيته. التاريخ يخبرنا بوضوح أن “النمسيس” أو العدالة التاريخية، لا تتأخر أبداً عن زيارة من يتجاوزون حدود البشر؛ فكلما ارتفع “صنم الأنا” في سماء السلطة، كان ارتطامه بالأرض أكثر دماراً وضجيجاً، ليبقى مجرد سطر في كتب التاريخ، يُدرّس كتحذير أبدي من مغبة خلط “البشري” بـ “الإلهي” في دهاليز السياسة.
يظل التاريخ الإنساني شاهداً على أن “التأله السياسي” ليس إلا بريقاً زائفاً يسبق الانكسار الكبير؛ فالسلطة التي تتغذى على الغرور وتتسلح بالعجرفة، تحمل في أحشائها بذور فنائها. إن العبرة المستفادة من مصائر الطغاة، من “نيرون” الذي أحرقه وهم الفن، إلى “هتلر” الذي سحقه وهم العرق، وصولاً إلى صراعات السياسة المعاصرة، تؤكد حقيقة أنطولوجية واحدة: الإنسان يظل بشراً، والسياسة تظل فن الممكن والخضوع للمساءلة.
إن حماية المستقبل — سواء في التجربة الأمريكية أو غيرها— لا تكمن في انتظار “بطل مخلص” أو “زعيم ملهم” يمتلك الحقيقة المطلقة، بل في تعزيز ثقافة “التواضع المؤسسي”؛ تلك الثقافة التي تعيد للرئيس أو الحاكم حجمه الطبيعي كموظف في خدمة الشعب، لا كإلهٍ فوق القانون. فالأمم التي تنجو هي التي تضع “الدستور” فوق “الأنا”، وتؤمن بأن قوة الدولة تكمن في رسوخ قوانينها لا في ضجيج عجرفة قادتها. إن صنم الأنا مهما علا وتجبر، يظل من طين، والزمن كفيل بأن يعيد الطين إلى الأرض، لتبقى الشعوب وحدها هي الحقيقة الباقية خلف ركام العروش المتهاوية.



