آثار ومصريات

تماثيل التناجرا.. حينما التقت رهافة الفن الهلينستي بخصوصية الحضارة المصرية

من أناقة المرأة الإغريقية إلى الرمزية الجنائزية في مصر البطلمية.. رحلة فن عابر للثقافات

في يوم 31 مارس، 2026 | بتوقيت 1:00 مساءً

تُعد تماثيل التناجرا (Tanagra Figurines) واحدة من أرقى نماذج النحت الطيني الصغير في العالم القديم، حيث ارتبط اسمها بمدينة تاناغرا الواقعة شمال أثينا، والتي شكلت المركز الرئيسي لإنتاجها وتصديرها. ومع بزوغ العصر الهلينستي، انتشرت هذه التماثيل على نطاق واسع في مختلف أرجاء حوض البحر المتوسط، لتتحول إلى ظاهرة فنية عابرة للحدود، بلغت ذروتها داخل الأراضي المصرية خلال العصرين البطلمي والروماني.

واقعية فنية تكسر الجمود الكلاسيكي

تميزت تماثيل التناجرا بأسلوب فني دقيق يميل إلى الواقعية، مبتعداً عن المثالية الجامدة التي سادت الفنون الكلاسيكية. وغالباً ما جسدت نساءً في كامل أناقتهن، بملابس منسدلة وثنيات غنية تعكس مهارة النحات الهلينستي في إبراز الحركة والتفاصيل الدقيقة.
كما تنوعت موضوعاتها لتشمل شخصيات شابة ومشاهد مسرحية مستوحاة من الحياة اليومية، بما يعكس ارتباط الفن بالمجتمع.

تقنيات مبتكرة وهوية فردية لكل قطعة

اعتمد الفنانون على القوالب الطينية لصب الشكل الأساسي، قبل أن تُضاف لمسات يدوية دقيقة تمنح كل تمثال طابعاً خاصاً وفريداً. وبعد ذلك، تُحرق القطع لتتحول إلى تراكوتا (فخار محروق)، وهو ما أضفى عليها صلابة وجمالاً في آن واحد.

في مصر.. من الزينة إلى الدلالة العقائدية

في مصر، لم تقتصر وظيفة تماثيل التناجرا على الزينة المنزلية، بل اكتسبت أبعاداً اجتماعية ودينية عميقة. فقد عُثر على أعداد كبيرة منها في مراكز حضارية كبرى مثل الإسكندرية والفيوم، حيث استخدمت كنذور دينية داخل المعابد، وكذلك كمتاع جنائزي يوضع في المقابر.

وقد حملت هذه التماثيل رمزية متعددة، أبرزها الجمال والخصوبة والحماية، وهو ما يعكس بوضوح حالة الامتزاج الثقافي بين الفكر اليوناني والتقاليد المصرية الراسخة.

شاهد أثري على التمازج الحضاري

من بين أبرز النماذج التي توثق هذا التفاعل الفني، تمثال من التراكوتا معروض داخل المتحف المصري بالقاهرة، تم اكتشافه في مدينة الإسكندرية. وتعود أهمية هذا الأثر إلى تاريخ اقتنائه عام 1889، حيث يمثل دليلاً حياً على الحيوية الفنية التي شهدتها المدينة، وقدرتها على استيعاب فنون البحر المتوسط وإعادة صياغتها بما يتلاءم مع الذائقة المحلية.

حبيبة سرحان