
أثارت مزاعم حديثة تداولتها بعض المنصات الغربية حالة من الجدل الواسع في الأوساط العلمية والأثرية، خاصة المرتبطة بعلم المصريات، بعد الحديث عن اكتشافات مزعومة أسفل الهرم الأكبر بالجيزة، تشمل وجود «تابوت العهد» أو حتى جسد السيد المسيح، فضلًا عن الترويج لفرضية «أبو الهول الثاني». إلا أن خبراء الآثار المصريين سارعوا إلى تفنيد هذه الادعاءات، مؤكدين افتقارها لأي أساس علمي أو أثري موثق.
مزاعم مثيرة للجدل.. من “مغارة الآباء” إلى “أبو الهول الثاني”
في أبريل الماضي، أعلن عالم الأنثروبولوجيا البريطاني «وارنر» عن فرضية مثيرة، زعم فيها وجود جسد السيد المسيح و«تابوت العهد» داخل كهف سري أسفل الهرم الأكبر، فيما أطلق عليه «مغارة الآباء».
وتجدد الجدل مؤخرًا بعد تقرير نشرته صحيفة Daily Mail البريطانية، تحدث عن «أسرار هضبة الجيزة»، مشيرًا إلى أدلة مزعومة على وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول مدفون منذ آلاف السنين، استنادًا إلى ما وصفه الباحث الإيطالي فيليبو بيوندي بـ«تناظر هندسي» بين الأهرامات وتمثال أبو الهول الحالي.
خبراء الآثار: خزعبلات بلا أي أساس علمي
من جانبه، أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، أن هذه المزاعم تندرج ضمن «الخزعبلات» التي لا تستند إلى أي أعمال تنقيب علمية رسمية أو موافقات من الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة السياحة والآثار.
وأوضح أن جميع الحفائر العلمية التي أُجريت في هضبة الجيزة لم تثبت وجود أي هياكل غامضة أو آثار تدعم هذه الادعاءات، مشددًا على أن ما يتم تداوله يفتقر إلى المنهج العلمي.

نقل الروايات الدينية إلى مصر.. محاولة لإعادة صياغة التاريخ
وأشار ريحان إلى أن أخطر ما في هذه الفرضيات هو محاولتها نقل مسرح الأحداث الدينية من فلسطين إلى مصر، عبر الادعاء بأن الجبال المقدسة المذكورة في الكتب السماوية مثل «سيناء» و«الزيتون» و«صهيون» تشير إلى موقع واحد هو الهرم الأكبر.
بل وتمتد هذه المزاعم إلى حد القول إن «موعظة المسيح على الجبل» وقعت في محيط الأهرام، وهو ما وصفه بأنه تحريف واضح للتاريخ الديني والجغرافي.
الهدف الحقيقي.. البحث عن “الهيكل المزعوم” في مصر
ويرى ريحان أن هذه الادعاءات تأتي في إطار محاولات لإيجاد بدائل لموقع «هيكل سليمان» المزعوم، بعد فشل أعمال التنقيب المستمرة منذ عام 1967 أسفل المسجد الأقصى في العثور على أي أدلة أثرية تثبت وجوده.
وأضاف أن الترويج لوجود هياكل أسفل الهرم الأكبر قد يكون ذريعة للضغط على السلطات المصرية للسماح بأعمال تنقيب جديدة تحت غطاء البحث العلمي.
زاهي حواس يحسم الجدل: لا وجود لـ“أبو الهول الثاني”
وفي السياق ذاته، أكد عالم المصريات الدكتور زاهي حواس أنه تم إجراء حفائر دقيقة في المواقع التي أُشير إليها، ولم يتم العثور على أي دليل يثبت وجود تمثال ثانٍ لأبو الهول، مشددًا على أن كل ما يُثار في هذا الشأن «لا أساس له من الصحة».

تابوت العهد.. حقائق تاريخية تُفنّد الادعاءات
وأوضح ريحان أن «تابوت العهد» وفق الروايات الدينية هو صندوق من خشب السنط، وُضعت بداخله ألواح الشريعة التي تلقاها نبي الله موسى عليه السلام في منطقة طور سيناء (سانت كاترين حاليًا)، وكان بنو إسرائيل يحملونه معهم خلال ترحالهم، ما ينفي تمامًا فكرة وجوده داخل الهرم الأكبر.
كما أشار إلى أن التابوت اختفى تاريخيًا بعد فترة حكم طالوت، ويرجح فقدانه خلال الحروب، مع وجود روايات تشير إلى انتقاله خارج القدس، دون أي دليل على وصوله إلى مصر.
أهداف أيديولوجية واستعمارية وراء الترويج
واختتم ريحان تصريحاته بالتأكيد على أن هذه المزاعم لا علاقة لها بعلم الآثار، بل تقف وراءها جهات ذات توجهات أيديولوجية تسعى للترويج لما يسمى بـ«الدين الإبراهيمي»، إلى جانب محاولات لإثبات مشاركة مزعومة لليهود في بناء الحضارة المصرية، وخاصة الهرم الأكبر، أحد أعظم إنجازات المصريين القدماء.
بُنيت بسواعد المصريين
يبقى العلم الأثري القائم على الحفائر والدراسات الموثقة هو الفيصل في مثل هذه القضايا، فيما تسقط الادعاءات غير المدعومة بالأدلة أمام حقائق التاريخ الراسخة، التي تؤكد أن الحضارة المصرية القديمة بُنيت بسواعد المصريين وحدهم، دون أي صلة بهذه المزاعم المثيرة للجدل.



