
تنشر بوابة المحروسة نيوز حصريًا أحدث الإبداعات القصصية للكاتب الصحفي والأديب عادل سعد، في سلسلة قصصية ترصد تفاصيل الحياة في الحارة المصرية، بشخصياتها البسيطة ومفارقاتها الإنسانية، في لوحات سردية تجمع بين السخرية والواقعية.
سددت أمي، بعد ثلاث جمعيات، أقساط ماكينة الخياطة. ومن أجلها سمحت لنا باللعب في الشارع، بل ومنحتنا كرة من الشراب لنبتعد عن دماغها.
كان شقيقي عماد طيبًا وحنونًا ويحب أمي. لم يكن يلعب في الشارع، بل يظل بجوارها ليساعدها. ركن قطعة صابون ممسوحة، ووضع مفتاح الدولاب عليها، ثم ضغط… وبعدها بأيام كان معه نسخة. لم يكن يسرق كثيرًا، فقط ما يحتاج إليه.
وبالتدريج بدأت شركة أمي للنسيج تخسر. ولما ضاقت الدنيا عرض عليها أن يشتري المشروع كله لسداد ديونها عند الناس. وضاعت الماكينة وبقي الكرسي.

غير أن هذا الأخير – الكرسي – لم يصمد طويلًا بمفرده؛ فقد كانت الماكينة حماية غير مباشرة له، لأنه لا يتحرك بعيدًا عنها. ومع اختفائها صار يتنقل، كوسيلة ممتعة لمعرفة أسرار ما فوق الدولاب والأماكن العليا.
ويومًا بعد يوم انفجرت بطنه وتدلت، وعرج مائلًا على أقدامه، ثم جرت إطاحته مع كراكيب السطح… إلى أن أشعل أحدهم فيه النيران.
أما الدولاب، فقد أصبح مع إفلاس أمي ما بداخله لا يختلف عما بخارجه، فتركته مفتوحًا على مصراعيه.
أخي عماد، حبيب أمه، كان يزحف نحو الثراء. اشترى موتوسيكلًا من بيع الماكينة ومدخراته، ثم باعه وكسب. واحتل بروزًا تحت بيتنا، وافتتح دكانًا للإنترنت لتسلية الأولاد بالكمبيوتر، يلم القروش من الأطفال الذين علّمهم إدمان الألعاب. ثم تزوج بعيدًا، وصار ينام في الأسفل ولا يأكل معنا.


