
في زمنٍ تتسارع فيه الأضواء نحو الضجيج، يظل بعض العلماء أوفياء لمنهج العمل الصامت القائم على الدقة والتوثيق. من هؤلاء يأتي الدكتور مصطفى محمد نور الدين، كبير الباحثين بآثار جنوب سيناء والمدير العام السابق لآثار المنطقة، أثريٌّ بمعنى الكلمة، كرّس حياته للبحث العلمي الرصين بعيدًا عن البروباجندا، مؤمنًا بأن الاكتشاف الحقيقي يبدأ من احترام ما أنجزه السابقون والبناء عليه.
إشادة بدعم أهالي سيناء
وأشاد الدكتور مصطفى محمد نور الدين بالدور الكبير الذي قام به الشيخ ربيع بركات وأسرته، من كبيرهم إلى صغيرهم، في دعمه خلال جولاته العلمية لدراسة نقوش سيناء، مؤكدًا أن هذا التعاون المجتمعي كان عاملًا مهمًا في إنجاز أبحاثه الميدانية.
وشدد على أن العمل الأثري لا يقوم على الإثارة الإعلامية، بل على التوثيق العلمي والنشر في الدوريات المتخصصة، مع ضرورة الرجوع إلى الدراسات السابقة، خاصة أن هناك نحو 3950 نقشًا بسيناء تم نشرها في موسوعة علمية متخصصة، ما يفرض أمانة علمية تقتضي البدء من حيث انتهى العلماء السابقون.
اكتشافات تعيد كتابة تاريخ السيطرة المصرية على سيناء
من أبرز إنجازات الدكتور مصطفى محمد نور الدين خلال العام الماضي، دراسته للنقوش والرسوم الصخرية التي كُشف عنها لأول مرة في وادي خميلة، حيث نشر بحثًا باللغة الإنجليزية بالتعاون مع عالم الآثار الألماني لودفيج مورنس بعنوان:
Wadi Khamila, the god Min and the Beginning of “Pharaonic” Dominance in Sinai 5000 years ago
والمنشور في دورية Blätter Abrahams (العدد 25، 2025).
وتتناول الدراسة لوحة تعود إلى عصر ما قبل الأسرات، وتُعد اكتشافًا بالغ الأهمية؛ إذ تلقي الضوء على السيادة المصرية على مناجم النحاس والفيروز بسيناء قبل قيام الدولة المصرية، وتؤكد بسط النفوذ المصري على الصحراء الشرقية وسيناء، كما كان الحال في النوبة.

أبحاث علمية جديدة قيد النشر
لم يتوقف العطاء عند هذا الحد، بل انتهى الدكتور مصطفى من دراسة أخرى باللغة العربية حول النقوش المصرية القديمة بوادي خميلة، قدّمها في مؤتمر مركز الكتابات البردية والنقوش بجامعة جامعة عين شمس بعنوان:
“اكتشافات أثرية جديدة من عصر ما قبل وبداية الأسرات بجنوب سيناء – موقع الشيخ سالم بوادي خميلة”، وهي دراسة جارٍ نشرها.
كما يشارك ببحث جديد في حولية اتحاد الآثاريين العرب بعنوان:
“دراسة تحليلية لنقوش نبطية مكتشفة حديثًا في وادي خميلة بجنوب سيناء (نقوش موقع البرج)”.
إضافة إلى دراسة أخرى مرتقبة في دورية “أدوماتو” الصادرة عن مركز السديري الثقافي بالرياض بعنوان:
“دراسة تحليلية لنقوش ورسوم صخرية مكتشفة حديثًا في وادي خميلة بجنوب سيناء (لوحة معركة وادي خميلة)”.
وادي خميلة.. طريق حضاري عبر آلاف السنين
تكشف الدراسات مجتمعة عن الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لوادي خميلة، الذي يقع شرق مدينة أبو رديس بنحو 35 كم، ويمتد بمحور شمال شرق – جنوب غرب بطول يقارب 10 كيلومترات. وقد مثّل عبر العصور طريقًا حيويًا ومقر إقامة دائم، بفضل توافر المياه والعشب والمعادن.
أبرز ما تم اكتشافه في الوادي:
-
رسوم صخرية تعود للألف الرابع قبل الميلاد تمثل ثقافة محلية بجنوب سيناء، تصور صيادين يواجهون الأسود والنمور، ويستخدمون حيلًا متقدمة للصيد مثل ارتداء أقنعة حيوانية أو بناء مصائد حجرية ضخمة تُعرف باسم Desert Kite.
-
نقوش من عصر ما قبل وبداية الأسرات توثق السيادة المصرية على سيناء قبل خمسة آلاف عام، وتصور مراكب مصرية وملوكًا يُخضعون زعماء محليين، إضافة إلى أفران لصهر النحاس وأطلال أكواخ حجرية وقبور من طراز Tumulus.
-
أكثر من 80 نقشًا نبطيًا يتم تسجيلها لأول مرة، إلى جانب نقوش إسلامية مبكرة، ونقوش عربية غير منشورة.
-
نقوش أوروبية تاريخية، منها نقوش فرنسية تعود إلى القرن السادس عشر، وأخرى ألمانية ترجع إلى القرن الخامس عشر، ما يعكس استمرار أهمية الوادي عبر العصور.
عالم يستحق التقدير
إن ما قدمه الدكتور مصطفى محمد نور الدين من جهود بحثية رصينة، ونشر علمي موثق محليًا ودوليًا، يعكس قيمة علمية كبيرة تستحق التقدير المؤسسي والإعلامي. فهو نموذج للأثري الذي يعمل بعقل الباحث وأمانة المؤرخ، واضعًا نصب عينيه أن حماية التراث لا تتحقق إلا بالعلم والانتماء.



