
تمثل خبيئة الأقصر المكتشفة حديثًا إضافة نوعية لقائمة الكنوز الأثرية التي تميز مدينة طيبة – الأقصر – عاصمة مصر لنحو 500 عام خلال عصر الدولة الحديثة (1570–1070 ق.م)، بما يعكس عمق الفكر الحضاري لدى المصريين القدماء وسبقهم لعصورهم في صون التراث وحمايته وقت الأزمات.
المصري القديم سبق اتفاقية لاهاي بقرون
يثبت هذا الاكتشاف أن المصريين القدماء أدركوا مبكرًا أهمية حماية ممتلكاتهم الثقافية خلال فترات الاضطراب، وهو ما يتوافق مع ما نصّت عليه اتفاقية لاهاي لعام 1954، باعتبارها المظلة القانونية الدولية لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، من خلال إنشاء مخابئ مؤمنة، ووضع شارات مميزة للتعريف بها وتجنب استهدافها.
واليوم، تعتمد المؤسسات الأثرية على أحدث التقنيات مثل التوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد باستخدام تقنية “فوتو سكان”، لإعداد نسخ رقمية وقواعد بيانات مرجعية للقطع الأثرية، في استكمال لنهج الحماية الذي أرساه الأجداد قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
مفهوم “الخبيئة” في علم الآثار
عرف المصري القديم منذ القرن الحادي عشر قبل الميلاد ما يُعرف أثريًا بـ”الخبيئة”، وهي مكان سري يُستخدم لإخفاء المومياوات والمقتنيات الجنائزية بهدف حمايتها من السرقة أو التلف، خاصة في فترات الضعف السياسي مثل عصر الانتقال الثالث، الذي أعقب نهاية حكم الملك رمسيس الحادي عشر (1099–1069 ق.م)، آخر ملوك الدولة الحديثة.
وخلال هذه الفترة، اتخذ أحد فروع الرعامسة من تانيس (صان الحجر حاليًا) عاصمة لهم في شمال شرق الدلتا، ضمن حكم الأسرات (21–25)، في ظل حالة من اللامركزية السياسية.
رسالة ثقافية عبر الأجيال
تكمن أهمية الخبيئة – قديمًا وحديثًا – في كونها رسالة توعوية وثقافية ممتدة عبر الأجيال، ولولا هذا الفكر الوقائي لما وصلت إلينا مومياوات وكنوز ملكية تشكل اليوم ركيزة العرض المتحفي والجذب السياحي.
خبيئة الدير البحري.. أعظم اكتشافات القرن التاسع عشر
تُعد خبيئة الدير البحري الملكية، المكتشفة عام 1881 في جبانة طيبة غرب الأقصر، من أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن التاسع عشر، وكانت الأساس لإنشاء قاعة المومياوات الملكية بـ المتحف المصري.
وضمت الخبيئة أكثر من 50 مومياء لملوك وملكات وأمراء من الأسرات (17–20)، نقلها كهنة الأسرة 21 لحمايتها من لصوص المقابر. وقد وثّق فيلم المومياء مشاهد وداع أهل الأقصر للمومياوات، قبل انتقالها لاحقًا في موكب مهيب إلى المتحف القومي للحضارة المصرية بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، في حدث تاريخي لا يُنسى.

خبيئة العساسيف.. اكتشاف مصري خالص
وفي عام 2019، كشفت بعثة مصرية خالصة عن خبيئة العساسيف في جبانة العساسيف وذراع أبو النجا غرب الأقصر، وضمت 30 تابوتًا ملونًا متراصًا في صفين بحالة حفظ متميزة، تعود إلى الأسرة الثانية والعشرين (القرن العاشر ق.م)، وتخص كهنة وكاهنات وأطفالًا خدموا في معابد آمون وخونسو.
وقد نُقلت هذه التوابيت إلى المتحف المصري الكبير لتكون ضمن مقتنيات أكبر متاحف العالم.
خبيئة القرنة الجديدة.. دعوة لإنشاء متحف بالأقصر
تطالب حملة الدفاع عن الحضارة، برئاسة الدكتور عبد الرحيم ريحان، بوضع خبيئة الأقصر المكتشفة حديثًا – والتي كشفت عنها بعثة مصرية مشتركة بين المجلس الأعلى للآثار ومؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث – داخل متحف الأقصر أو إنشاء متحف خاص لها في منطقة القرنة، موقع الاكتشاف، لتكون نواة لمتحف حضاري شامل على غرار متحف الحضارة بالقاهرة.
تفاصيل الخبيئة الجديدة
تضم الخبيئة:
-
22 تابوتًا خشبيًا ملونًا، رُصّت في 10 صفوف أفقية فوق بعضها البعض في تنظيم دقيق يعكس عبقرية استغلال المساحات.
-
8 برديات نادرة.
-
مجموعة من الأواني الفخارية يُرجح استخدامها في حفظ بقايا مواد التحنيط.
وقد عُثر على هذه المكتشفات أثناء أعمال الحفائر بالزاوية الجنوبية الغربية من فناء مقبرة “سنب” بمنطقة القرنة في البر الغربي بالأقصر.
وتحمل معظم التوابيت ألقابًا وظيفية بدلًا من الأسماء، ويُعد لقب “منشد أو منشدة آمون” الأكثر شيوعًا، ما يؤكد الصلة الوثيقة بين أصحابها وطقوس معابد طيبة.
مقترحات لتعظيم الاستفادة من الخبيئة
-
الإسراع بترميم القطع وتوثيقها رقميًا وإتاحتها افتراضيًا للجمهور والباحثين.
-
تخصيص جناح دائم لها في متحف الأقصر أو إنشاء متحف جديد بالقرنة لدعم السياحة الثقافية بالبر الغربي.
-
إعداد سيناريو عرض متحفي يبرز مفهوم “الخبيئة” كفلسفة مصرية قديمة لحماية التراث.
-
تنظيم معرض دولي متنقل للتعريف بالخبيئة وقيمتها الحضارية عالميًا.
-
إنتاج فيلم وثائقي حديث يواكب الاكتشاف ويستثمر الزخم الإعلامي عالميًا.
بهذا الاكتشاف، تؤكد الأقصر مجددًا أنها ليست مجرد مدينة أثرية، بل سجل حيّ لعبقرية المصري القديم في الإدارة والحماية والتخطيط الحضاري، ورسالة متجددة للعالم بأن مصر كانت – ولا تزال – حارسة للتراث الإنساني.



