
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتزين البيوت المصرية بموائد إفطار عامرة، لا تعكس فقط تنوع الأطباق، بل تختزن في تفاصيلها قيماً راسخة من الذوق الرفيع وآداب الضيافة التي توارثتها الأجيال.
فالمائدة في مصر لم تكن يومًا مجرد مساحة لتناول الطعام، بل ظلت رمزًا للكرم، ومشهدًا يوميًا يجسد روح الجماعة والتوقير والاحتفاء بالحياة.
سر الشغف المصري بتنسيق المائدة… جذور ضاربة في عمق التاريخ
قد يبدو الحرص على تنسيق أطباق الإفطار وتجميل السفرة سلوكًا معاصرًا، لكنه في الحقيقة امتداد لحضارة عريقة أدركت مبكرًا أن إعداد الطعام فن وقيمة.
فالمصري القديم لم يترك تفصيلة تخص موائد القرابين إلا ووثقها بدقة مذهلة على جدران المعابد والمقابر، في مشاهد تُظهر رصّ صنوف الخبز والفاكهة واللحوم في طبقات منظمة، بتكوين هرمي متناسق يعكس حسًا جماليًا فريدًا.
ذلك التنظيم البصري اللافت يكاد يوازي اليوم جمال تنسيق أطباقنا الرمضانية التي تتوسط المائدة في مشهد احتفالي يعانق الروح قبل الجسد.




المتحف المصري بالقاهرة… شاهد حي على عبقرية الضيافة
وفي أروقة المتحف المصري بالقاهرة، تتجسد هذه الفلسفة الحضارية واقعًا ملموسًا؛ حيث تعرض موائد القرابين الحجرية والأطعمة المجسمة التي تكشف دقة الترتيب وروعة التنظيم.
هناك، يدرك الزائر أن المصري القديم كان يؤمن بأن “العين تأكل قبل الفم”، وهي ذات القاعدة التي لا تزال تحكم تفاصيل سفرتنا الرمضانية اليوم، حيث تحضر الزينة كما يحضر الطعام، ويصبح المشهد جزءًا من طقس الإفطار ذاته.
بتاح حتب… حكمة المائدة وأدب الجلوس
لم تقتصر عناية المصريين القدماء على شكل المائدة، بل امتدت إلى آدابها وسلوكياتها. ففي تعاليم الحكيم بتاح حتب، نجد درسًا خالدًا في الرقي الاجتماعي، إذ يقول:
“إذا كنت واحداً من الجالسين على مائدة من هو أكبر منك مقاماً، فخذ ما يقدمه لك، وانظر إلى ما هو أمامك فقط”.
هي وصايا تتردد أصداؤها حتى اليوم في تجمعاتنا العائلية خلال رمضان، حيث يتصدر الكبير المجلس، ويُقدَّم الضيف، ويتعلم الصغار معنى الاحترام ومراعاة الآخرين.
رمضان… حين تجتمع الروحانية بكرم المصريين
إن مائدتنا الرمضانية ليست طقسًا عابرًا، بل هي امتداد لما يمكن تسميته بـ”مائدة الأزل”؛ حيث تتعانق الروحانية مع أصالة الضيافة المصرية.
من نقوش المعابد إلى سفرة الإفطار، ومن موائد القرابين إلى أطباق الكنافة والتمر، يظل المصري وفيًا لفلسفة ترى في الطعام رسالة محبة، وفي المائدة مساحة للسكينة والتراحم.



