لم تعد محاولات سرقة التاريخ المصري مجرد جدل أكاديمي أو اختلاف في الرؤى البحثية، بل تحولت إلى معركة حضارية مكتملة الأركان تستهدف اقتلاع هوية أمة تمتد جذورها إلى آلاف السنين.
وما تروج له بعض التيارات، وعلى رأسها اتجاهات مثل الأفروسنتريك، لم يعد يمكن التعامل معه باعتباره مجرد طرح فكري، بل أصبح مشروعًا منظمًا لإعادة كتابة التاريخ ونسب الحضارة المصرية إلى كيانات ودول وجماعات لا تمت لها بصلة علمية أو أثرية أو تاريخية.
إن السكوت على هذه المزاعم لم يعد خيارًا، لأن ما يحدث هو محاولة ممنهجة لتجريد مصر من أهم عناصر قوتها الناعمة: تاريخها.
التاريخ المصري ليس مادة للعبث
الحضارة المصرية القديمة موثقة بالنقوش، والبرديات، والآثار، والتسلسل الزمني للحكام، واللغة، والعمارة، وعلوم الفلك والطب والهندسة.
ولا توجد حضارة في العالم حظيت بهذا الكم من الأدلة المادية الموثقة مثل الحضارة المصرية.
ومع ذلك، تظهر بين الحين والآخر محاولات لسرقة هذا التاريخ أو إعادة نسبه، مستغلة ضعف المواجهة الإعلامية الدولية، وغياب الردود العلمية السريعة بلغات متعددة.
المعركة ليست أثرية فقط.. بل إعلامية وسياسية أيضًا
الحقيقة الصادمة أن المواجهة لا تتم داخل المتاحف أو الجامعات فقط، بل تتم عبر:
- منصات إعلامية دولية.
- أفلام وثائقية موجهة.
- كتب تصدر في بعض الدول وتُسوّق باعتبارها “روايات بديلة للتاريخ”.
- محتوى رقمي ينتشر بين الشباب عالميًا دون تدقيق علمي.
وهنا يصبح الصمت أخطر من التزييف نفسه.
مطلب عاجل: لجنة دولية علمية دائمة للدفاع عن التاريخ المصري
أصبح من الضروري تشكيل لجنة دائمة تضم:
- خبراء آثار مصريين.
- علماء مصريات أجانب معروفين بمهنيتهم.
- متخصصين في القانون الدولي الثقافي.
- خبراء إعلام دولي.
هذه اللجنة يجب أن تتحرك فورًا للرد العلمي الموثق على أي محاولة لتزييف التاريخ المصري في أي منصة أو دولة.
- المكاتب الإعلامية بالخارج.. خط الدفاع الأول
- لا يجوز أن تبقى المكاتب الإعلامية المصرية بالخارج في موقع رد الفعل فقط.
المطلوب هو:
- رصد أي محتوى مزور أو مشوه للتاريخ المصري.
- إصدار ردود علمية موثقة بلغات متعددة.
- التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية العالمية.
- فضح المزورين علميًا وإعلاميًا بالأدلة.
- الكتاب العلمي.. السلاح الأقوى في مواجهة التزييف
يجب دعم:
- إصدار موسوعات حديثة عن الحضارة المصرية.
- ترجمة المراجع المصرية إلى لغات العالم.
- دعم نشر كتب علمية ميسرة للشباب عالميًا.
- تمويل مشروعات توثيق رقمية للحضارة المصرية.
- الحرب على التاريخ تُكسب بالعلم، وليس بالشعارات.
- دور دولي حاسم مطلوب الآن
تقع مسئولية دولية كبرى على عاتق اليونسكو باعتبارها الجهة الدولية المعنية بحماية التراث الإنساني.
كما يجب أن يكون لمديرها العام الدكتور خالد العناني دور واضح وفاعل في مواجهة محاولات تزوير أو نسب الحضارة المصرية إلى غير أصحابها.
فالدفاع عن الحضارة المصرية ليس دفاعًا عن تاريخ دولة فقط، بل دفاع عن ذاكرة الإنسانية نفسها.
رسالة إلى المسؤولين
المعركة بدأت بالفعل.
والتاريخ لا يُحمى بالبيانات، بل بالتحرك العلمي والإعلامي والدبلوماسي المنظم.
وأي تأخير في المواجهة سيمنح مزوري التاريخ مساحات أوسع للتأثير على وعي الأجيال القادمة حول العالم.
كلمة أخيرة
مصر ليست مجرد دولة لها تاريخ…
بل دولة صنعت معنى التاريخ نفسه.
ومن يتصور أن المصريين يمكن أن يسمحوا بسرقة تاريخهم… فهو لم يفهم مصر بعد.



