بأقلامهم

“اللواء الدكتور سمير فرج” يكتب لـ” المحروسة نيوز ” : جرينلاند… هل هي القشة التي ستقسم الناتو

في يوم 15 يناير، 2026 | بتوقيت 6:00 مساءً

فجأة ظهرت إلى الاضواء جزيرة جرينلاند، حيث ظهرت للمرة الأولى في يناير العام الماضي عندما تولى الرئيس ترامب السلطة في البيت الأبيض، وأعلن أنه يفكر في ضم هذه الجزيرة إلى الولايات المتحدة، وكذلك سيضم قناة بنما، وأنه سوف يزيل خط الحدود مع كندا لكي تصبح الولاية رقم 51 من الولايات الأمريكية. وخلال العام الماضي لم نسمع عن هذا القرار الأمريكي بضم جرينلاند للولايات المتحدة، إلا هذا الشهر، حيث اعلن الرئيس انه سوف يضم هذه الجزيرة للولايات المتحدة.

وهذا القرار بضم هذه الجزيرة لم يكن الأول من نوعه، حيث إن هذه الفكرة سبق ان اعلنتها الولايات المتحدة منذ 150 عامًا، حيث قاومت الدنمارك عروضًا كثيرة لبيعها لأمريكا. وكان الهدف في السنوات السابقة أن الجزيرة غنية بالموارد الطبيعية والنفط، وأن الدنمارك ليس لديها الأموال لاستخراج هذه الموارد الطبيعية، لكن هذه المرة جاء السبب مختلفًا.

عموماً، في البداية نقول إن جزيرة جرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، وتقع في القطب الشمالي، وتبلغ مساحتها حوالي 2,000 كم²، وتمثل أحد أقاليم مملكة الدنمارك، رغم أنها تقع جغرافيًا بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، وتقع في قارة أمريكا الشمالية، إلا أنها أصبحت جزءًا من دولة الدنمارك. ويبلغ عدد سكانها حوالي 57,000 نسمة، ولذلك تعتبر من أقل المناطق كثافة سكانية في العالم.

وفي عام 1979 منحت الدنمارك الحكم الذاتي للجزيرة، لكن ما زالت حكومة الدنمارك تحتفظ بالسيطرة على السياسة النقدية والشؤون الخارجية والدفاع. والواقع خطة الرئيس ترامب لضم هذه الجزيرة إلى الولايات المتحدة تأتي من خلال اتجاهين، الأول من ناحية الأمن القومي الأمريكي، والثاني من ناحية أن هذه الجزيرة تحتوي على موارد طبيعية كثيرة وان الولايات المتحدة قادرة على استغلالها.

وبالنسبة للناحية الأولى، وهي الأمن القومي الأمريكي، فإن هذه الجزيرة في حالة وجودها تحت السيطرة الأمريكية سوف تصبح خط الدفاع الأول أمام الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية القادمة من روسيا، حيث سيتم اعتراضها مبكرًا قبل وصولها إلى الأراضي الأمريكية، وبذلك سيتواجد على الجزيرة وسائل الإنذار المبكر وأسلحة التصدي لأي صواريخ روسية.

والهدف الثاني بالنسبة للأمن القومي الأمريكي أن هذه الجزيرة سوف تسيطر على عمليات اقتراب القوات البحرية من روسيا والصين تجاه أمريكا، حيث إن الخوف ينبع أساسًا من الغواصات والفرقاطات والمدمرات التي قد تهاجم أمريكا من الشمال، وعلى الأخص الغواصات النووية التي تتحرك تحت الماء لمسافات طويلة، وفجأة تظهر بصواريخها النووية وهي غير مكتشفة أو مراقبة، لأنه حتى الآن لم تنجح أي دولة في العالم في اكتشاف تحركات الغواصات تحت الماء بشكل كامل.

لذلك، بسيطرة أمريكا على جرينلاند تصبح هذه الغواصات إلى حد ما غير قادرة على الاقتراب من السواحل والأراضي الأمريكية، خاصة أن أمريكا تخشى تمامًا من احتمال سيطرة الصين أو روسيا على هذه الجزيرة مستقبلًا، وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي.

ومن هذا المنطلق أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي يدرس الخيارات العديدة لضم جزيرة جرينلاند، سواء بالشراء أو باستخدام القوة العسكرية الأمريكية. وأمام هذه الطموحات الأمريكية، نحو ضم جزيرة جرينلاند، بدأت أوروبا تتخذ موقفًا موحدًا تجاه هذا الملف، ومن هنا بدأت توحيد صفوفها لدعم الدنمارك.

ومن هنا ظهرت فكرة أن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بضم جزيرة جرينلاند بالقوة، من دولة الدنمارك وهي عضو في حلف الناتو، وقد يؤدي ذلك إلى انهيار الحلف، خاصة أن المستشار الألماني شولتز أكد عقب لقائه مع رئيسة وزراء الدنمارك في برلين أنه لا يوافق على تغيير الحدود بالقوة.

وعلى الطرف الآخر، أكدت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس ترامب يبدي اهتمامًا بشراء هذه الجزيرة، وهو ما أكده ماركو روبيو وزير خارجية أمريكا أمام الكونغرس، بأن أمريكا تريد شراء الجزيرة، رغم أنها ليست معروضة للبيع.

وهنا تأتي النقطة الأخيرة، ففي حالة فشل أمريكا في شراء هذه الجزيرة، يبرز السؤال الهام: هل سيتم الاستيلاء على الجزيرة بالقوة من خلال غزو أمريكي لدولة أوروبية هي أحد أعضاء حلف الناتو؟ وهو ما يعني بالطبع انهيار حلف الناتو.

وعلى الطرف الآخر أعلنت صحيفة الصنداي تليجراف أن لندن تتداول مع دول أوروبية فكرة إرسال قوات عسكرية إلى جرينلاند لتعزيز أمن الجزيرة وتفادي أي محاولات أمريكية لضمها بالقوة. حيث أشارت الصحيفة إلى العديد من الاجتماعات تمت الأسبوع الماضي بين المسؤولين البريطانيين ونظرائهم في فرنسا وألمانيا وبعض الدول الأوروبية، لاتخاذ قرار بنشر هذه القوات قريبًا. وأضافت الصحيفة أن هذا القرار يأتي لإقناع الرئيس الأمريكي بعدم ضم هذه الجزيرة بالقوة.

وهكذا يتطور هذا الملف يومًا بعد يوم، حيث ترفض حكومة الدنمارك بيع هذه الجزيرة، كما يرفض السكان الانضمام إلى الولايات المتحدة، لذلك لن يكون أمام ترامب، وفق هذا السيناريو، إلا التدخل العسكري، وهو ما يعني بالطبع نهاية حلف الناتو.

ومن هنا يمكن القول إن جرينلاند قد تصبح القشة التي سوف تؤدي إلى انهيار حلف الناتو في الفترة القادمة، وبالطبع هناك من ينتظر حدوث ذلك، وهي روسيا والصين. ومن هنا ينتظر الجميع ما سيحدث في الأيام القادمة، خاصة أن الرئيس ترامب أصبح يفعل ما يريد، وليس هناك من يقف أمام قراراته التي قد تغير شكل التحالفات في العالم.

كاتب المقال

اللواء أركان حرب الدكتور سمير سعيد محمود فرج

Email: [email protected]

واحداً من أهم أبناء القوات المسلحة المصرية

ولد في 14 يناير في مدينة بورسعيد، لأب وأم مصريين.

تخرج، سمير فرج، من الكلية الحربية عام 1963.

والتحق بسلاح المشاة، ليتدرج في المناصب العسكرية حتى منصب قائد فرقة مشاة ميكانيكي.

تخرج من كلية أركان حرب المصرية في عام 1973.

والتحق بعدها بكلية كمبرلي الملكية لأركان الحرب بإنجلترا في عام 1974، وهي أكبر الكليات العسكرية في المملكة البريطانية،وواحدة من أكبر الكليات العسكرية على مستوى العالم.

فور تخرجه منها، عُين مدرساً بها، ليكون بذلك أول ضابط يُعين في هذا المنصب، من خارج دول حلف الناتو، والكومنولث البريطاني.

تولى، اللواء أركان حرب الدكتور سمير سعيد محمود فرج، ، العديد من المناصب الرئيسية في القوات المسلحة المصرية، منها هيئة العمليات، وهيئة البحوث العسكرية. وعمل مدرساً في معهد المشاة، ومدرساً بكلية القادة والأركان. كما عين مديراً لمكتب مدير عام المخابرات الحربية ورئاسة إدارة الشئون المعنوية.

تتلمذ على يده العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة، إبان عمله مدرساً في معهد المشاة، ومدرساً في كلية القادة والأركان المصرية.

لم تقتصر حياته العملية، على المناصب العسكرية فحسب، وإنما عمل، سمير فرج، بعد انتهاء خدمته العسكرية، في العديد من المناصب المدنية الحيوية، ومنها وكيل أول وزارة السياحة، ورئيس دار الأوبرا المصرية، ومحافظ الأقصر. ويشغل حالياً منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة NatEnergy.

وله العديد من الكتب والمؤلفات العسكرية، خاصة فيما يخص أساليب القتال في العقيدة الغربية العسكرية. كما أن له عمود أسبوعي، يوم الخميس، في جريدة الأهرام المصرية ومقال أسبوعى يوم السبت فى جريدة المصرى اليوم.

للمزيد من مقالات الكاتب اللواء الدكتور سمير فرج  إضغط على الرابط التالى 

الرئيسية

الرئيسية