بأقلامهمعالم الطيران

“سعيد جمال الدين ” يكتب : ” مصر للطيران ” تٌغيّر جلدها… فهل تنجح فى معركة المنافسة العالمية؟!

تحديث الأسطول خطوة جريئة.. ولكن الاختبار الحقيقى يبدأ مع حٌسن الإدارة وجودة الخدمة والقٌدرة على الإستدامة

في يوم 26 يناير، 2026 | بتوقيت 1:00 مساءً

في زمنٍ يعلو فيه الضجيج الإعلامي، وتكثر فيه الشعارات، تبقى الإنجازات الحقيقية هي تلك التي تُصنع في هدوء، بعيدًا عن الاستعراض، وقريبة من العمل المؤسسي الجاد.

ومن هذا المنطلق، فإن ما تشهده شركة مصر للطيران في المرحلة الحالية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تحديث لأسطول أو إضافة خطوط طيران، يمثل تطورًا مهمًا يستحق التقدير.

بل هو تحول استراتيجي مدروس يعكس رؤية دولة، وإدارة تدرك معنى الاستدامة والمنافسة في صناعة عالمية شديدة التعقيد ، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول كيفية تعظيم العائد من هذه الخطوات وضمان استدامتها.

وبما إننا في قطاع معقّد مثل صناعة الطيران، لا تكفي النوايا الحسنة ولا الشعارات الرنانة، بل تُقاس النجاحات بقدرة المؤسسات على التخطيط طويل المدى، وحسن قراءة السوق، والاستجابة الذكية للتغيرات العالمية.

ومن هنا، يصبح من الواجب توجيه تحية تقدير إلى معالي الدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، وإلى الطيار أحمد عادل، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لمصر للطيران، وإلى فرق العمل المختلفة التي اختارت أن تعمل بصمت، تاركة النتائج تتحدث عنها ،

الدكتور الطيار سامح الحفنى وزير الطيران المدنى خلال تجربته قيادة إحدى طائرات الإيرباص الجديدة
الطيار أحمد عادل رئيس الشركة القابضة لمصر للطيران خلال تجربته قيادة أحدى طائرات إير باص الجديدة

فقد نجحت في تحريك ملفات ظلت لسنوات محل نقاش وتأجيل، وهو ما يُحسب لها في ظل ظروف اقتصادية وتشغيلية عالمية بالغة الصعوبة.

قرارات شجاعة… لكن التحدي في التنفيذ

إن اختيار مصر للطيران لتجديث الأسطول بطائرات إيرباص A350-900 ليس قرارًا تقنيًا فحسب، بل هو قرار اقتصادي واستراتيجي بامتياز.

والدخول بقوة إلى فئة الطائرات عريضة البدن الحديثة، وعلى رأسها إيرباص A350-900، يعكس تحولًا في التفكير الإداري داخل الشركة، وانتقالًا من إدارة الأزمة إلى إدارة الفرص.

ولكن هذا القرار في حد ذاته إيجابي، لكنه يفرض في المقابل تحديًا أكبر يتعلق بكيفية استغلال هذه الطائرات بأعلى كفاءة ممكنة، حتى لا تتحول من فرصة استراتيجية إلى عبء تشغيلي.

مصر للطيران

سوق شديد التنافس

فهذه الطائرة تمثل جيلًا جديدًا من الطائرات عريضة البدن القادرة على الجمع بين الكفاءة التشغيلية، والراحة، والمدى الطويل، وهي عناصر حاسمة في سوق شديد التنافس مثل سوق الطيران العابر للقارات.

ووفقا لما تم إعلانه فإنه من المنتظر أن تستلم الشركة أولى هذه الطائرات خلال الفترة القريبة المقبلة، ضمن خطة تشمل تشغيل ما يصل إلى ثماني طائرات من هذا الطراز بحلول نهاية عام 2026، في إطار طلبية إجمالية بلغت 16 طائرة، وهو ما يعكس ثقة الإدارة في مستقبل الطلب على السفر لمسافات طويلة.

السوق الأمريكية… رهان محسوب أم مخاطرة؟

التوسع المخطط في سوق أمريكا الشمالية يُعد خطوة منطقية من الناحية الاستراتيجية، خاصة أن مصر للطيران تُعد الناقل الوحيد الذي يربط القاهرة مباشرة بعدد من المدن الأمريكية والكندية.

ولكن لا يمكن فصل خطة مصر للطيران للتوسع في أمريكا الشمالية عن البعد السياحي والاقتصادي لمصر.

فالربط الجوي المباشر بين القاهرة ومدن كبرى في الولايات المتحدة وكندا ليس مجرد خدمة نقل، بل هو شريان حيوي للسياحة والاستثمار والتواصل الحضاري.

شراكة الطيران والسياحة

لذا يجب أن  يكون التوسع  مدروسًا بدقة، مرتبطًا بدراسات طلب حقيقية، وخطط تسويقية مبتكرة، وليس فقط بالاعتماد على الجاليات أو الحركة التقليدية.

فكما هو معروف عن  السوق الأمريكية لا يرحم، والمنافسة فيه لا تُدار بالطائرات الحديثة فقط، بل بشبكات التحالفات، وجودة الخدمة، والانضباط التشغيلي، والقدرة على بناء صورة ذهنية قوية لدى المسافر الأمريكي.

و لدى تطلعات وفقاً للقدرات التشغيلية لطائرة A350-900،  أن تفتح أمام مصر للطيران آفاق جديدة للوصول إلى مدن مثل لوس أنجلوس وشيكاغو، بما يعزز حضورها في سوق تُعد من أهم الأسواق المصدّرة للسياحة إلى مصر، ويكرس دورها كحلقة الوصل الوحيدة المباشرة بين القاهرة وأمريكا الشمالية.

الجودة… نقطة القوة ونقطة الاختبار

ويلا أدنى شك فإن التطور الملحوظ في مستوى بعض الخدمات، سواء على متن الطائرات أو داخل مطار القاهرة، هو أمر إيجابي وملموس.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في توحيد مستوى الجودة، وضمان استمراريته، وتحويله إلى ثقافة مؤسسية لا تعتمد على مبادرات فردية أو فترات نشاط مؤقتة.

فالمسافر لا يقارن مصر للطيران بالماضي، بل يقارنها بما تقدمه شركات أخرى في المنطقة والعالم.

دور يتجاوز حجم الأسطول

وقد لا تكون مصر للطيران الأضخم حجمًا مقارنة ببعض شركات الطيران الإقليمية الكبرى، لكنها تلعب دورًا أكثر عمقًا وتأثيرًا بحكم موقعها الجغرافي ودورها الوطني.

فهي اليوم ليست مجرد ناقل جوي، بل شريك أساسي في دعم السياحة المصرية، وتعزيز صورة مصر كوجهة عالمية، وربطها المباشر بالقارات.

إحلال الأسطول… خطوة صحيحة تحتاج صبرًا

الانتقال التدريجي من طائرات بوينج B777-300ER إلى طائرات الجيل الجديد يعكس قدرًا من الحكمة والتوازن، إلا أن إدارة هذا الانتقال ستظل اختبارًا لقدرة الشركة على الحفاظ على انتظام التشغيل، خاصة في ظل ضغط المواسم السياحية وارتفاع تكاليف التشغيل عالميًا.

الدور الوطني لا يعفي من المحاسبة

تلعب مصر للطيران دورًا وطنيًا مهمًا في ربط مصر بالعالم، ودعم السياحة والاقتصاد، وهو دور يُقدَّر ولا يُنكر. لكن هذا الدور، بطبيعته، يجب ألا يكون مبررًا لتخفيف معايير التقييم أو تأجيل الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، سواء على مستوى الكفاءة الإدارية أو تعظيم الإيرادات أو تحسين تجربة العميل.

ما نحتاجه في المرحلة القادمة

المرحلة المقبلة تتطلب:

  • استراتيجية تسويق دولية أكثر جرأة، خاصة في أمريكا الشمالية

  • استثمارًا أكبر في تدريب العنصر البشري وربط الأداء بالحوافز

  • قراءة أدق لسلوك المسافر الدولي وتوقعاته

  • شفافية أعلى في قياس الأداء والإعلان عن النتائج

الدعم الواعى

ما تحقق في مصر للطيران خلال الفترة الأخيرة يُعد خطوة للأمام، بل خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد الطائرات الجديدة، بل بقدرة الشركة على تحويل هذا التحديث إلى قيمة مضافة مستدامة، تعزز مكانتها التنافسية، وتخدم السياحة المصرية، وتواكب طموحات الدولة.

إن ما نشهده اليوم هو ثمرة إدارة واعية، وقيادة تعمل بهدوء، واستثمار ذكي في المستقبل، يستحق كل التقدير والدعم، لما له من أثر مباشر على السياحة المصرية والاقتصاد الوطني ومكانة مصر الدولية.

إنها تجربة تستحق الدعم، لكن الدعم الواعي لا ينفصل عن النقد الإيجابي، ولا عن الطموح لما هو أفضل.

إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ..وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.. وعلى الله العلى القدير قصد السبيل 

كاتب المقال

سعيد جمال الدين

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير لبوابة المحروسة الإخبارية ” المحروسة نيوز ”

عضو الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين

مؤسس ورئيس شعبة الصحافة السياحين بنقابة الصحفيين

عضو جمعية الكتاب السياحيين المصريين

عضو جمعية كتاب البيئة والتنمية

الأمين العام للمنتدى العالمى لخبراء السياحة والسفر 

الأمين العام لصالون الرواد الثقافى بنقابة الصحفيين