بالتزامن التام، استقبلت مصر شخصيتين مؤثرتين عالميًا؛ أحدهما ينتمي إلى عالم هوليوود الكلاسيكي وهو الفنان العالمى الأمريكى ويل سميث ، والآخر إلى عالم البث المباشر وصنّاع المحتوى الرقمي وهو البوتيوبر العالمى سبيد.
هذا التزامن أعاد طرح سؤال مهم: هل ما زال نجم السينما هو الأداة الأقوى للترويج السياحي؟
الإجابة، ببساطة، لم تعد كما كانت.
نحن نعيش اليوم تحولًا جذريًا في مفهوم التأثير. القوة الحقيقية لم تعد في الشهرة وحدها، بل في من يملك الانتباه، ومن يستطيع أن يحتفظ به، وينقله في لحظته. الشهرة لم تعد ضمانًا للانتشار، بينما أصبح البث الحي هو اللاعب الأهم في معادلة التأثير الحديثة.
أحد الضيفين وثّق زيارته لمصر بالطريقة التقليدية: كاميرات، لقطات، مواد تُنشر لاحقًا بعد المونتاج والمعالجة. أما الآخر، فقد نقل مصر كما هي، مباشرة، بلا سيناريو أو إعداد مسبق، لملايين المتابعين حول العالم. هنا، لم يشاهد الناس صورة لمصر، بل عاشوا التجربة لحظة بلحظة، وهو فارق جوهري يغيّر قواعد اللعبة بالكامل.
ما جرى لم يكن “محتوى” بالمعنى التقليدي، بل حضورًا عالميًا متزامنًا. اللقطات لم تبقَ حبيسة منصة واحدة، بل انتشرت عبر حسابات رياضية، وصفحات شبابية، ومنصات عالمية، وميمز، ونقاشات عفوية. كل لحظة تحولت إلى قصة، وكل مشهد أصبح مادة تداول، وهذا ما يفعله البث المباشر: لا يحقق انتشارًا فقط، بل يخلق تشبعًا ثقافيًا حقيقيًا بالوجهة السياحية.


ورغم هذا التحول الواضح، لا يزال بعض صُنّاع القرار في القطاع السياحي يقيسون التأثير بمقاييس قديمة: حجم شهرة النجم، عدد الجوائز، أو القيمة الإعلامية التقليدية. بينما الواقع اليوم يقول إن صُنّاع المحتوى الرقمي لم يعودوا مجرد “مشهورين على الإنترنت”، بل أصبحوا محركات توزيع عالمية، قادرين على تحويل الوجهات السياحية إلى أحداث حيّة يتابعها الملايين في وقت واحد.
الأكثر لفتًا للنظر أن كل ما حدث تم دون أي حملة رسمية، أو خطة إعلامية، أو ميزانية ترويجية. لم يكن هناك تنظيم أو إعداد مسبق، ومع ذلك شاهد ملايين الناس شوارع مصر، وتفاعل أهلها، وطاقتها، وأهراماتها، في لحظات صادقة وعفوية. ما حدث كان طبيعيًا… وربما كنا محظوظين.
لكن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه الآن: ماذا لو أُدير هذا النوع من الظهور بذكاء واستراتيجية؟
السياحة الحديثة لم تعد إعلانًا تقليديًا، بل أصبحت قائمة على إتاحة الفرصة، والسماح للعدسات الصحيحة بالدخول، وبناء الثقة في التأثير المتتابع الذي ينتج عن ذلك. من يفهم هذا التحول سيقود شكل الترويج السياحي في السنوات المقبلة، ومن يتجاهله سيظل يتساءل لماذا لم تعد الحملات التقليدية تحقق النتائج نفسها.
هذا هو شكل التأثير اليوم، وإذا أُحسن استثماره، يمكن لمصر أن تربح الكثير… والكثير جدًا.



