بأقلامهم

الإعلامى والمخرج التليفزيونى” خالد سالم” يكتب لـ “المحروسة نيوز” : السياحة تبدأ من الفصل

في يوم 10 يناير، 2026 | بتوقيت 1:04 مساءً

مصر ليست مجرد دولة على خريطة العالم، إنها متحف مفتوح يمتد عبر سبعة آلاف عام من الحضارة الإنسانية. من أهرامات الجيزة التي تتحدى الزمن، إلى معابد الأقصر وأسوان التي تحكي قصص الفراعنة، إلى شواطئ البحر الأحمر التي تأسر القلوب، مصر كنز لا ينضب. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة: هل نحن كمصريين نُدرك حقاً قيمة هذا الكنز؟ وهل نُعد أبناءنا ليكونوا حراساً له ومطورين لإمكاناته؟

الإجابة تبدأ من الفصل الدراسي، من المكان الذي تُبنى فيه شخصية الطفل المصري ووعيه بهويته وانتمائه. من هنا تأتي أهمية إضافة منهج “التربية السياحية والأثرية” كمادة أساسية في التعليم المصري، ليس كمجرد معلومات تُحفظ وتُنسى، بل كمنظومة متكاملة تصنع جيلاً يفهم أن السياحة ليست رفاهية، بل شريان الحياة الاقتصادي لمصر.

مصر والسياحة: علاقة وجود

السياحة في مصر ليست قطاعاً اقتصادياً عادياً، إنها أحد أهم مصادر الدخل القومي والعملة الصعبة. القطاع السياحي يوفر فرص عمل مباشرة لملايين المصريين في الفنادق والمطاعم والنقل السياحي والإرشاد، فضلاً عن ملايين أخرى من الوظائف غير المباشرة في الصناعات المرتبطة بالسياحة من الحرف اليدوية إلى الزراعة.

عندما يزور سائح واحد مصر، فإنه لا يدفع فقط ثمن تذكرة دخول المتحف أو غرفة الفندق، بل يُحرك عجلة اقتصادية كاملة تبدأ من سائق التاكسي إلى بائع البردي، من عامل المطعم إلى صانع التحف. هذه الحقيقة يجب أن يفهمها كل طفل مصري منذ نعومة أظفاره.

لماذا التربية السياحية في مصر؟

تخيل طفلاً مصرياً يعيش في الأقصر أو الجيزة أو أسوان، محاطاً بأعظم آثار العالم، لكنه لا يعرف عنها سوى أنها “حاجات قديمة” يأتي لرؤيتها أناس من الخارج. تخيل شاباً مصرياً لا يستطيع أن يشرح لسائح أجنبي قصة معبد الكرنك أو سر بناء الأهرامات. هذا ليس تقصيراً فردياً، بل هو فجوة في المنظومة التعليمية يجب أن نسدها.

منهج التربية السياحية والأثرية سيجعل الطالب المصري يفخر بحضارته، لا بشكل أجوف ومبالغ فيه، بل بفهم عميق لما أنجزه أجداده وكيف يمكن أن يستمر هذا الإرث في خدمة مصر اليوم وغداً. سيتعلم أن معبد أبو سمبل ليس فقط تحفة معمارية، بل هو مصدر دخل لمحافظة أسوان بأكملها. وأن نظافة شوارع الغردقة وشرم الشيخ ليست مسؤولية الحكومة فقط، بل مسؤولية كل مواطن يدرك أن السائح الذي يعود راضياً سيجلب معه عشرات غيره.

ماذا يجب أن يتضمن المنهج المصري؟

في المرحلة الابتدائية، يمكن البدء بتعريف الطلاب بالحضارة المصرية القديمة من خلال قصص مشوقة عن الفراعنة وبناة الأهرامات، مع رحلات ميدانية منظمة للمتاحف والمواقع الأثرية القريبة. يجب أن يزور كل طفل مصري المتحف المصري الكبير أو المتحف المصري بالتحرير على الأقل مرة خلال سنوات دراسته الابتدائية، ليرى بعينيه كنوز توت عنخ آمون ومومياوات الملوك.

في المرحلة الإعدادية، يتوسع المنهج ليشمل مصر الإسلامية والقبطية، فيتعلم الطالب عن مساجد القاهرة التاريخية وكنائسها العريقة، وعن القلعة والأزهر وخان الخليلي. كما يبدأ في فهم البعد الاقتصادي للسياحة وكيف أن كل جنيه ينفقه السائح يعود بالنفع على الأسر المصرية.

أما في المرحلة الثانوية، فيدرس الطالب تحديات القطاع السياحي المصري بعمق، من الأمن السياحي إلى التسويق الإلكتروني، من السياحة المستدامة إلى تطوير البنية التحتية. يتعلم عن أنواع السياحة المختلفة: الثقافية والشاطئية والعلاجية والدينية والمؤتمرات، وكيف أن مصر تمتلك مقومات التفوق في كل هذه الأنواع.

من المعرفة إلى المسؤولية الوطنية

المعرفة النظرية مهمة، لكن الهدف الحقيقي هو صناعة سلوك حضاري. عندما يفهم الطالب المصري أن الكتابة على جدران المعابد جريمة في حق التاريخ وفي حق الاقتصاد المصري، فإنه لن يفكر في فعلها. وعندما يعرف أن التحرش بالسائحات يُدمر سمعة مصر ويُكلف الاقتصاد ملايين الدولارات، فإنه سيصبح خط دفاع أول ضد هذا السلوك المشين.

الطفل المصري الذي يكبر وهو يفهم أن الأهرامات ليست ملكاً لأهل الجيزة فقط بل لكل المصريين، وأن معابد أسوان ليست شأناً محلياً بل ثروة قومية، هذا الطفل سينشأ بوعي وطني حقيقي. سيتعامل مع السائح باحترام لا لأنه أجنبي، بل لأنه ضيف يساهم في رفاهية الوطن.

التطبيق العملي: من الفصل إلى المعبد

النظرية بلا تطبيق كلام في الهواء. لذا يجب أن يتضمن المنهج رحلات دراسية منظمة لا تقل عن رحلتين سنوياً لكل طالب، إحداهما لموقع أثري والأخرى لمنطقة سياحية. في هذه الرحلات، لا يكون الطالب مجرد زائر، بل مشاركاً فعالاً يتعلم كيف يتصرف كسائح مسؤول، كيف يحافظ على نظافة المكان، كيف يحترم قواعد الزيارة.

يمكن أيضاً تنظيم مسابقات على مستوى المدارس والمحافظات لأفضل مشروع سياحي طلابي، سواء كان فيلماً قصيراً عن معلم أثري، أو حملة إلكترونية للترويج لموقع سياحي، أو مبادرة تطوعية لتنظيف منطقة أثرية. هذا سيشعل روح الإبداع والانتماء لدى الطلاب.

كما يجب التعاون مع وزارة السياحة والآثار لإتاحة دخول مجاني أو مخفض للطلاب المصريين مع مدارسهم، وتدريب بعض المرشدين السياحيين على التعامل مع الأطفال بأسلوب تعليمي ممتع. يمكن أيضاً استضافة علماء الآثار والمرشدين في المدارس لإلقاء محاضرات تفاعلية تجعل التاريخ ينبض بالحياة.

الأثر الاقتصادي المتوقع

دعونا نكون واضحين: الاستثمار في التربية السياحية سيعود على مصر بمكاسب اقتصادية هائلة على المدى المتوسط والبعيد. جيل كامل ينشأ وهو يحترم الآثار ويفهم قيمة السياحة سيعني:

تقليل حالات التعدي على الآثار والأراضي الأثرية

تحسين معاملة السياح وبالتالي زيادة معدلات رضاهم وعودتهم

ظهور جيل من رواد الأعمال في المجال السياحي يفهمون قيمة المنتج السياحي المصري

زيادة الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على البيئة السياحية

خلق سفراء حقيقيين لمصر في الخارج من بين الطلاب أنفسهم

عندما يسافر مصري إلى الخارج وهو قادر على الحديث بفخر وعلم عن حضارته، فإنه يصبح أفضل دعاية لمصر. كم من سائح جاء إلى مصر بسبب حكاية سمعها من صديق مصري؟

مصر الجديدة تبدأ من هنا

مصر اليوم تشهد نهضة سياحية غير مسبوقة، من افتتاح المتحف المصري الكبير إلى تطوير طريق الكباش في الأقصر، من مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة إلى تطوير المناطق الساحلية. هذه المشاريع الضخمة تحتاج إلى جيل واعٍ يستوعبها ويحافظ عليها ويطورها.

منهج التربية السياحية والأثرية ليس رفاهية أو إضافة هامشية، بل هو ضرورة وطنية ملحة. إنه استثمار في العقل المصري قبل أن يكون استثماراً في القطاع السياحي. إنه بناء لهوية وطنية قوية ترتكز على فهم الماضي واستشراف المستقبل.

عندما يجلس طفل مصري في فصله ويتعلم أن جده الأكبر بنى أعظم حضارة عرفها التاريخ، وأن هذه الحضارة اليوم هي مصدر رزق ملايين المصريين، وأن مسؤوليته هو أن يحافظ على هذا الإرث ويطوره، فإننا نصنع مواطناً حقيقياً، مواطناً يفهم معنى الانتماء ليس بالشعارات بل بالفعل.

السياحة في مصر لا تبدأ من الفندق أو المطار، بل تبدأ من الفصل الدراسي، من تلك اللحظة التي يدرك فيها الطفل أن الهرم الذي يراه في الصورة ليس مجرد مبنى قديم، بل هو رمز لعظمة أمة ومصدر عيش لشعب ومسؤولية على عاتق كل مصري.

فلنبدأ إذاً الرحلة من حيث يجب أن تبدأ، من الفصل، حيث تُصنع مصر الجديدة على أكتاف جيل يعرف قيمة ما يملك.

مصر ليست فقط أم الدنيا، مصر مدرسة الدنيا، فلنجعل أبناءها أول المتعلمين فيها.