بأقلامهم

الكاتب الصحفى والمؤرخ ” محمد الشافعى ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” : مراد وهبة.. سيرة عقل اختار الفلسفة قدرًا

من القوصية إلى محراب الفكر.. كيف تشكَّل فيلسوف التنوير المصري

في يوم 9 يناير، 2026 | بتوقيت 3:00 مساءً

عقلٌ يتجلّى، ينثر نجوم الأفكار على دروب العتمة، وقلبٌ زاهد يتكئ على عصا الحكمة، ونفسٌ لا تشبع من المعرفة، وروحٌ شفافة حملت همّ الاستنارة في زمن التباس الأسئلة. هكذا بدا الدكتور مراد وهبة؛ راهبًا في محراب الفلسفة، يحمل مصباح الحقيقة، ويبحث عنها كما فعل الفيلسوف الإغريقي ديوجين وهو يجوب الطرقات نهارًا بحثًا عن الإنسان الصادق.

لم يكن مراد وهبة فيلسوفًا أكاديميًا تقليديًا، ولا باحثًا منغلقًا في برج عاجي، بل عقلًا حرًا اختار أن يعيش في خيمة الفلسفة، أمّ المعارف وسيدة الأسئلة، فراح ينسج الأواصر بين الفكر والحياة، وبين العقل والمجتمع، دون أن يساوم على قناعاته أو يتاجر بأفكاره.

الجذور الأولى.. من القوصية إلى القاهرة

وُلد الدكتور مراد وهبة في الثالث عشر من أكتوبر عام 1926، لأسرة مسيحية تقيم بمدينة القوصية التابعة لمركز منفلوط بمحافظة أسيوط. وفي سنواته الأولى انتقلت الأسرة إلى القاهرة، حيث بدأت ملامح تكوينه العقلي المبكر في الظهور.

التحق برياض الأطفال عام 1930، ثم بمدرسة شبرا الابتدائية عام 1938، وأظهر تفوقًا ملحوظًا، قبل أن تتراجع درجاته نسبيًا خلال دراسته بمدرسة التوفيقية الثانوية، لا لضعفٍ في قدراته، بل لانشغاله المبكر بما هو أبعد من المقررات الدراسية التقليدية.

جمعية الشبان المسيحية.. مدرسة الديمقراطية الأولى

كان التحاق مراد وهبة بقسم الصبيان في جمعية الشبان المسيحية عام 1936 نقطة تحول حاسمة في وعيه. فقد كانت الجمعية، التي تعود جذورها إلى تأسيسها في الولايات المتحدة عام 1851 على يد السير جورج ويليامز، تقوم على رؤية ليبرالية تسمح بتعدد الآراء وتعارضها.

قاد الجمعية في مصر المفكر المستنير يعقوب فام، الحاصل على ماجستير في التربية من الولايات المتحدة، وأحد أبرز دعاة الفلسفة البرجماتية. وقد أدار فام الجمعية وفق مبدأين أساسيين: الليبرالية والبراجماتية، مستندًا إلى جذور مصرية خالصة، حيث أسس خمسة أندية حملت أسماء: أحمس، إخناتون، رمسيس، تحتمس، آمون.

داخل هذه الأندية مارس الصبية نموذجًا مصغرًا للديمقراطية: انتخاب رؤساء، وحكومة، وبرلمان يملك حق سحب الثقة، في زمن لم تكن الديمقراطية فيه شائعة حتى على مستوى الدول. وفي هذا المناخ، تشكّل وعي مراد وهبة على قيم الحوار، والاعتراض، وحرية النقد.

الدكتور مراد وهبة

التوجيهية.. لحظة الصدام والاختيار

بلغ الصدام ذروته في مرحلة التوجيهية (الصف الخامس الثانوي آنذاك)، حين فُرض عليه الالتحاق بالقسم الأدبي، فرفض، وأصرّ على حقه في الاختيار. ورغم تنبؤ أستاذ الفلسفة له بمستقبل فلسفي واعد، أصرّ على الانتقال إلى القسم العلمي، قبل أن تحسم الظروف مصيره لاحقًا.

لم تكن تلك المواجهة مجرد خلاف إداري، بل كانت تدريبًا مبكرًا على الدفاع عن حرية الاختيار، وهي القيمة التي سترافقه طيلة حياته الفكرية.

من العلوم إلى الفلسفة.. اكتشاف المصير

بعد حصوله على مجموع 54% فقط، وهو أقل من الحد الأدنى للالتحاق بكلية العلوم، قرر إعادة التوجيهية، لكن تدخل شقيقه الأكبر موريس وهبة، أحد قيادات شباب حزب الوفد وطالب كلية الآداب، فتح له بابًا آخر.

التحق بكلية الآداب – جامعة فؤاد الأول (القاهرة لاحقًا)، وهناك اتخذ قراره النهائي بالانضمام إلى قسم الفلسفة. وعندما حذّره رئيس القسم، وهو أستاذ اسكتلندي، من أن خريجي الفلسفة لا يجدون عملًا، جاء رد مراد وهبة حاسمًا: «لا يهم».

منذ تلك اللحظة، أدرك أن الفلسفة ليست تخصصًا دراسيًا، بل قدر عمر.

سنوات التكوين الجامعي.. عشق العقل

التحق بالجامعة عام 1947، وانصرف خلال سنوات الدراسة الأربع إلى قراءة كتب الفلسفة بنهمٍ شديد، حتى أقلع عن هوايته المحببة: السينما، فلم يشاهد سوى فيلم واحد طوال تلك السنوات.

واصل تفوقه لينخرط مباشرة في الدراسات العليا، فحصل على درجة الماجستير عام 1952، ثم الدكتوراه عام 1959 من جامعة الإسكندرية، مختارًا الفيلسوفين كانت وبرجسون موضوعًا لدراسته.

ورغم تقديره لكانت بوصفه أبًا للتنوير الأوروبي، فإن مراد وهبة رأى مذهبه عقلًا مغلقًا، بينما انحاز إلى برجسون، العقل المنفتح، المتدفق، الحي.

يوسف كرم وعثمان أمين.. سلسلة التنوير

كان الدكتور يوسف كرم أحد أهم أساتذته، وقد بلغ إعجابه به حدّ ترجمة بحثه عن برجسون لمجرد التعرف عليه ومقابلته. كما تأثر تأثرًا بالغًا بأستاذه الدكتور عثمان أمين، الذي يمثل حلقة أساسية في سلسلة التنوير الممتدة من الشيخ محمد عبده.

ومنذ تلك المرحلة، ترسخت لدى مراد وهبة قناعة راسخة بأن الأستاذ الجامعي ليس موظفًا، بل منارة علمية وقلعة فكرية يُلجأ إليها طلبًا للمعرفة.

كاتب المقال 

محمد الشافعى  كاتب صحفى ومؤرخ وثق عبر مؤلفاته التى تجاوزت الثلاثين كتابا للبطولات المصرية فى المحطات الفارقة فى تاريخ مصر الوطنى، بين بطولات عسكرية مشرفة للجيش المصرى وكذلك المقاومة الشعبية. وقد أخذ على عاتقه- على مدى الثلاثين عاما- رسالة التأريخ لملاحم البطولة المصرية، وراح يجوب ربوع مصر بحثا عن الجنود المجهولين من أبطال القوات المسلحة وأبطال المقاومة الشعبية. وفى هذا السياق أسفرت جهوده عن هذا العدد الكبير من المؤلفات ومنها «السويس مدينة الأبطال» و«بورسعيد بوابة التاريخ» و«الإسماعيلية أرض الفرسان» و«شموس فى سماء الوطن» و«عبد المنعم رياض فارس الرحلة المستحيلة» و«أمير الشهداء.. مدد يا رفاعى مدد» و«صائدو الدبابات». ويؤكد الشافعى أن رسالته تهدف إلى مقاومة تجريف الوعى الوطنى، وقبل أيام صدر للشافعى كتاب «عبد الناصر حقائق وأباطيل» مع الذكرى الخمسين لرحيل ناصر

فى الحلقة الثانية

في الحلقة الثانية، سننتقل من السيرة إلى الموقف، ومن التكوين إلى الاشتباك الفكري، حيث يخوض مراد وهبة معاركه الكبرى دفاعًا عن العقل، والعلمانية، والتنوير، وحرية الإنسان.

هكذا تشكّل عقل مراد وهبة:

من أسيوط إلى القاهرة،

ومن الديمقراطية المدرسية إلى الفلسفة الأكاديمية،

ومن التكوين الهادئ إلى الاستعداد لمعركة كبرى.

يتبع…