بقلم: قسم الدراسات السياسية والاستراتيجية – بوابة المحروسة نيوز
منذ عام 2011، لم ينجح مجلس النواب، في أي من تشكيلاته المتعاقبة، في ترسيخ شعور عام لدى المواطن المصري بوجوده كفاعل سياسي مؤثر في المجال العام، أو كمنصة تعكس صراع الأفكار وتباين الرؤى داخل الدولة. وبينما تغيّرت القوانين والخرائط الانتخابية، ظل السؤال الجوهري معلقًا: أين السياسة تحت القبة؟
اليوم، ومع الإعلان عن التكوين النهائي لمجلس النواب الجديد، تعود هذه الإشكالية إلى الواجهة، ولكن بلغة الأرقام هذه المرة، لا بلغة الانطباعات.
برلمان موجود… وسياسة غائبة؟
تكشف النتائج أن الأحزاب المعارضة، رغم تعددها العددي، لا تزال محدودة التأثير من حيث الوزن البرلماني، إذ لا تتجاوز حصتها نحو 10% من إجمالي المقاعد. وهو رقم لا يسمح بتشكيل معارضة مانعة، لكنه في الوقت ذاته لا يبرر استمرار الغياب الكامل للصوت المختلف، ما يطرح تساؤلًا حول طبيعة الدور الذي اختارته الأحزاب لنفسها داخل البرلمان:
هل هو دور المشاركة؟ أم دور الحضور الرمزي؟
المستقلون: ملء الفراغ أم إعادة إنتاجه؟
في المقابل، يبرز المستقلون بوصفهم الكتلة الأكبر خارج الأحزاب الداعمة للحكومة، بنسبة تتجاوز 18% من مقاعد المجلس. هذا الصعود لا يعكس بالضرورة وعيًا سياسيًا متناميًا، بقدر ما يعكس فجوة ثقة بين الناخبين والأحزاب، دفعت قطاعات واسعة للرهان على الأفراد بدل الكيانات.
لكن السؤال الأهم:
هل يستطيع المستقلون ملء الفراغ السياسي فعلًا؟
أم أنهم سيظلون أسرى الحسابات الفردية والدوائر المحلية، بما يعيد إنتاج نفس نمط الأداء الذي افتقده المواطن طوال السنوات الماضية؟
الأحزاب بين الفرصة الأخيرة والتهميش الذاتي
وجود 15 حزبًا سياسيًا داخل البرلمان لا يعني بالضرورة وجود حياة حزبية حقيقية. فالتعدد العددي لا يتحول تلقائيًا إلى تعدد سياسي، إلا إذا امتلكت الأحزاب مشروعًا واضحًا، وخطابًا قابلًا للاشتباك، وقدرة على التنسيق داخل اللجان والقبة.
وفي هذا السياق، تبدو بعض أحزاب المعارضة أمام فرصة أخيرة: إما الانتقال من موقع الشكوى إلى موقع الفعل، أو القبول بدور ثانوي يُعمّق الفجوة بينها وبين الشارع.
الفراغ السياسي: مسؤولية من؟
الفراغ السياسي تحت قبة البرلمان ليس نتاج طرف واحد.
فهو نتيجة تفاعل بين:
-
نظام انتخابي يعزز الفردي،
-
أحزاب ضعيفة التنظيم،
-
ومستقلين بلا إطار جامع،
-
وناخب فقد الإحساس بجدوى المتابعة البرلمانية.
وهنا لا يكون السؤال: من يملأ الفراغ؟
بل: هل هناك إرادة حقيقية لملئه أصلًا؟
خلاصة
مجلس النواب الجديد لا يواجه أزمة شرعية، بقدر ما يواجه أزمة معنى.
فإما أن يتحول إلى ساحة نقاش حقيقي يعيد السياسة إلى المجال العام،
وإما أن يظل مؤسسة قائمة بلا أثر محسوس في وعي المواطن.
وفي الحالتين، يبقى الرهان ليس على الأرقام…
بل على من يجرؤ على كسر الصمت تحت القبة.



